حسين مقبل::
عندما كانت ايران تعبث في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وتزرع اذرعها المسلحة في جسد هذه البلدان كما تزرع الشظايا في الجسد المنهك، كان كثير من المثقفين العرب منشغلين في كتابة نصوص طويلة عن الحب والحياة والوجود، وفي التفلسف حول المعنى العميق للاشياء والعلاقات الطردية والعكسية بين الظواهر، وكان المشهد كله يبدو وكأن المنطقة التي ننتمي اليها ليست سوى حاشية صغيرة في كتاب نظري عن الكون، لا مسرحا مفتوحا للموت اليوممي الذي يعيشه الناس هناك..
وعندما كانت ميليشيات ايران تجتاح المدن، وتحول الشوارع الى خرائط للخراب وتزرع المقابر بدل الحدائق كان المثقف العربي يجلس بهدوء امام فنجان قهوته يناقش معنى الجمال في الشعر ، او يكتب تأملا رقيقًا عن هشاشة الانسان، دون ان يلتفت كثيرا الى ان هناك بشرا حقيقيون يسقطون كل يوم تحت ركام مشروع سياسي توسعي لا يخجل حتى من اعلان نفسه قوة غاشمة….
سنوات طويلة مرت ونحن نقتل ونهجر وتخطف دولنا قطعة قطعة ولم نمسع من هؤلاء المثقفين الا صمتًا ثقيلا يشبه التواطى او حيادًا باردًا يشبه اللامببالاة وكأن دماء العرب التي تسيل في بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت ليست مادة كافية لاعزاج ضمير ثقافي اعتاد ان يرى العالم من نافذة التنظير لا من شقوق البيوت المهدمة….
لكن المفارقة المدهشة حدثت حين وصلت الحرب الى داخل ايران نفسها وهي حرب لم يبدأها العرب اصلاً ولم يشاركوا فيها
فاذا بالمثقف الذي كان صامتا كل تلك السنوات يقفز فجأة من مقعده ويترك فنجان قهوته على الطاولة ويصرخ في وجوهنا بلغة اخلاقية عالية
لماذا لا تقفون مع ايران؟ لماذا تصمتون؟ ولماذا لا تعلنون تضامتكم؟
وفجأة تحولت الذاكرة الى مساحة فارغة وكأن كل ما جرى في العراق وسوريا واليمن ولبنان كان مجرد تفصيل صغير لا يستحق التوقف عنده وكأن ايران لم تقصف عواصم عربية ، ولم تزرعع الميليشيات في اربع دول ، ولم تجعل من حياة ملايييين الناس مشروع انتظار طويل للموت….
والاكثر غرابة ان هؤلاء انفسهم لم يوجهوا سؤال واحد الى ايران حين كانت بنادقها مصوبة الى صدور العرب ، ولم يطالبوها يومًا بان تترك هذه البلدان لشعوبها ولم يكتبوا نصًا فلسفيًا واحدا عن معنى ان تتحول دولة كاملة الى مصنع للفوضى في المنطقة.
ومع ذلك حين رفضنا ببساطة ان نصفق لمن قتلنا او ان نرتدي فجأة قناع التعاطف مع قوة كانت جزءا اساسيا من مأساتنا، خرج علينا نفس المثقف ليخبرنا ببرود اننا عملاء ومتخاذلون وجبنا….
نحن الذين لم نعرف خلال سنوات طوييلة من حياتنا سوى اخبار القصف والمقابر والتهجير التي كانت ايران طرفًا مباشرًا فيها اصبحنا فجأة في نظره خونة لاننا لم نندفع بحماس للدفاع عنها…..
انها مفارقة تكاد تكون ساخرة الى حد الالم أن يظل المثقف صامتا حين يقتل الناس ثم يغضب بشدة حين يرفض الضحايا ان يدافعوا عن الجلاد وان يتحول الدفاع عن الذاكرة والكرامة الى تهمة جاهزة اسمها العمالة.