شعر/ يحيى الحمادي::
هذا الترابُ أَنا ابنُـهُ النهـرُ
هذا السرابُ أَصابِعي العَشرُ
هذا الجَـرادُ ثِمـارُ أَودِيَتـي
هذا الرَّمادُ مَواسِمي الخُضرُ
هذا الغُبارُ على فَمي لُغَـةٌ
هذا الغُرابُ على دَمي حِبرُ
هذا الدُّخانُ خَواطِرُ انكَسَرَت
كي لا يُظَـنَّ بأَنّها شِعـرُ
هذا الخَرابُ جَمِيعُهُ وَطنٌ
بين الجَميـعِ وبَينـه ثَــأرُ
وأَنا المُقِيمُ هُنا على قَلَقٍ
طُولُ البِلادِ بِعَينِهِ شِبرُ
ولِكُلِّ داهِيَةٍ تَمُــرُّ على
رَأْسي، يَقومُ ويَقعدُ القَهرُ
وكَأَيِّ نافِـذَةٍ تُطِـلُّ على
حَجَرٍ، يَظَلُّ يُخِيفُني الكَسرُ
ماذا تَرَكتَ إِذَن.. لِتُقنِعَني
أَنَّ الهَلاكَ هُنا هو النَّصرُ؟!
رَحَلَ الكَثيرُ مِن الجَميعِ، وما
أَحَـدٌ أَحَسَّ بأنّكَ العـُذرُ
رَحَلَ الجَميعُ.. وأَنتَ تَنْكُزني
بِأَصابِعي، وتَقولُ: ما الأَمرُ؟!
ورَحَلتَ أَنتَ.. وكُنتَ آخِرَ ما
مَلَكَت يَدايَ، وما احتَوَى الصَّدرُ
وعلى الفَراغِ أَفَقتُ، ليس مَعي
وَطَنٌ لِأَحمِلَهُ، ولا ظَهرُ
جَسَدي الأَخيرُ هَوَى.. وكَنزُ أَبي
أَكَلَ التُّرابَ.. وثَروَتي صِفرُ
فَبمَن سَيَهدِمُني الجِدارُ، وقَد
قُتِلَ الغُلامُ عليه والخِضرُ؟!
وعلى سَفينَتِنا قَراصِنَةٌ
يَتَصارَعونَ.. ولَم يَعُد بَحرُ
البَحرُ غاضَ.. دَمًا وأَورِدَةً
لَم يَبقَ إِلّا المَـدُّ والجَزرُ
وهَوَى السَّديمُ على الأَديمِ، فلا
هو غَيمةٌ هَطَلَت، ولا بِئرُ
ماذا تَرَكتَ -سِوايَ- مُرتَقِبًا
فَرَجًا.. كَأَنَّ أَوَانَهُ الحَشرُ
بِكَ قَد فَقَدتُ أَشَدَّ أَسلِحَتي
فَتكًا، ومِتُّ وما انتَهى العُمرُ
وعَلَيّ كُلُّ مَعارِكي انفَتَحَت
شَعواءَ، ما لِجَريحِها أَسرُ
وبَكَى الشّتاتُ عَلَيَّ مُعتَذِرًا
أَمَّا البلادُ.. فَقَلبُها صَخرُ
فَعَلامَ خَلفَ أَسَاكَ تَترُكُني
لا الأَمرُ طَوعُ يَدِي ولا الخَمرُ
وعَلامَ تَحتَطِبُ الرّياحَ مَعي
وتَغيبُ حِين تَطايَرَ الجَمرُ
أَوَلَستَ أَنتَ وَعَدتَني بِغَـدٍ
سَيُعِيدُ فيه حِسابَهُ الدَّهرُ!
أَوَلَستَ قُلتَ: سَماؤُنا ارتَفَعَت
ويَكادُ يَطرقُ بابَنا الفَجرُ!
وأَدَرتَ ظَهرَكَ لِلحَنينِ، وما
انتَصَفَ الضياعُ، ولا انتهى السّطرُ
وتَرَكتَ صاحِبَكَ القَديمَ على
أَمَلٍ يَضِيقُ كأنه قَبرُ
أَنا لَيسَ يَنقُصُني الحَنينُ، فَقَد
أُلِفَ الفِراقُ لَدَيَّ والغَدرُ
وكَسَرتُ بِالقَلَقِ العِتابَ، كَما
بِالصَّخرِ يَكسِرُ مِخلَبًا نَسرُ
وهَتَفتُ بَعدَكَ بالحَياةِ: قِفِي
لا العَيبُ مِنكِ، ولا لكِ الفَخرُ
منذ استَبَحتِ مع اللئامِ دمي
وأنا عليكِ دَوائري حُمرُ
فإذا رَحَلتِ، رَحَلتِ خائبةً
وإذا رَجَعتِ فبيننا الحَظرُ
وإِذا النفوسُ بضَعفِها انتَقمَت
جَرَحَ العِتابُ، وأَحزَنَ الشُّكرُ
أنا ما احتَمَلتُكِ يا حَياةُ ولِي
صَبرٌ، فكيف وقد نَأى الصَّبرُ!