منبر حر لكل اليمنيين

الحكومة القادمة بين الجدل السياسي وحاجة اليمن إلى مشروع وطني جامع

د. طه حسين الهمداني

د. طه حسين الهمداني::
تتزايد الأحاديث والتكهنات حول شكل الحكومة اليمنية الجديدة، عقب تكليف الدكتور شايع الزنداني برئاستها، بوصفه شخصية سياسية ودبلوماسية معروفة بالنزاهة والكفاءة. وبقدر ما يعكس هذا التكليف حالة من الترقب، فإنه يفتح في الوقت ذاته بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة الحكومة المرتقبة، ومعايير تشكيلها، وأولويات عملها في مرحلة وطنية بالغة التعقيد.
ويتصدر هذا النقاش سؤال تقليدي متكرر:
هل ستكون الحكومة قائمة على المحاصصة الحزبية أم حكومة تكنوقراط؟
وهو سؤال مشروع، غير أن الإجابة عليه لا ينبغي أن تُختزل في توصيف شكلي، بقدر ما يجب أن تُربط بقدرة الحكومة على تنفيذ برنامج سياسي واضح، يحقق الحد الأدنى من الإصلاحات المطلوبة، ويستجيب للتحديات المعيشية، والأمنية، والمؤسسية التي يواجهها اليمنيون اليوم.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية، يتعلق بـ معايير اختيار الوزراء:
هل سيكون المعيار هو الانتماء السياسي أم الكفاءة؟
وهل يمكن تحقيق تمثيل وطني متوازن دون الوقوع في فخ المحاصصة السياسية المعطِّلة؟
وكيف يمكن تشكيل حكومة تُوصَف بأنها حكومة وحدة وطنية دون أن تتحول إلى مجرد تجميع شكلي لمكونات متنافرة؟
كما يطرح كثيرون تساؤلًا مشروعًا حول مسألة الاستمرارية أو القطيعة مع الحكومة السابقة:
هل من الحكمة الإبقاء على أي وزير لمجرد الاستمرارية؟
أم أن المعيار الأعدل هو التقييم الموضوعي للأداء، بحيث يُكافأ من أثبت نجاحًا وكفاءة، وتُحاسَب من أخفق، مع الأخذ في الاعتبار مواقف الوزراء من الشرعية، ومدى التزامهم بالمسار الوطني العام؟
غير أن هذا الجدل، على أهميته، يغفل في أحيان كثيرة مسألة محورية قد تكون الأكثر حسمًا، وهي:
برنامج الحكومة.
فالحكومات لا تُقاس فقط بأسماء أعضائها، بل بوضوح برنامجها، وقابليته للتنفيذ، ومدى التزام رئيس الحكومة والوزراء بالعمل كـ فريق واحد لتحقيق أهداف محددة، ضمن إطار زمني واضح ومعايير قابلة للقياس. كما أن وجود برنامج حكومي ملزم يشكل أساسًا للتقييم والمساءلة من قبل البرلمان، والإعلام، والرأي العام.
ومن جهة أخرى، تمثل الحكومة القادمة فرصة حقيقية لصياغة برنامج وطني جامع، لا يقتصر على العمل الحكومي وحده، بل يفتح المجال أمام شراكة واسعة تشمل:
القطاع الخاص، منظمات المجتمع المدني، السلطات المحلية، المجتمعات المحلية.
برنامج تتكامل فيه الجهود، وتتوزع فيه الأدوار، ويشعر المواطن من خلاله أنه شريك في المسؤولية والنتائج، لا مجرد متلقٍّ للقرارات.
وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل سياسي مهم لا يمكن تجاهله:
هل من الحكمة تشكيل الحكومة قبل التوافق على أسسها السياسية، أم بعده؟
فبينما يرى البعض أن تشكيل الحكومة أولًا يوفر إطارًا إداريًا وسياسيًا يساعد على إنجاح الحوار، يرى آخرون أن الحوار يجب أن يسبق تشكيل الحكومة، حتى لا تُفسَّر الأخيرة بوصفها فرضًا لأمر واقع أو نتائج مسبقة.
ويتصل بذلك النقاش حول توقيت مؤتمر الحوار الجنوبي:
هل من الأفضل الإسراع في عقده بالتوازي مع تشكيل الحكومة؟
أم تأجيله لعدة أشهر لترتيب الأوضاع في المحافظات، وتهيئة المناخ السياسي والمجتمعي؟
وهل يحقق التوازي نتائج أفضل، أم أن التأجيل المدروس قد يمنح الحوار فرصًا أوسع للنجاح؟
هذه الأسئلة تظل مفتوحة للنقاش، ولا تحتمل إجابات قطعية، لكنها تؤكد حقيقة واحدة، مفادها أن نجاح أي حكومة أو أي حوار وطني لا يرتبط بالتوقيت وحده، بل بوضوح الرؤية، وصدق الإرادة، وقدرة الأطراف المختلفة على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول الأشخاص والتوقيتات، لكن ما لا ينبغي الاختلاف حوله هو الحاجة إلى حكومة ببرنامج واضح، وأداء قابل للقياس، وشراكة وطنية واسعة، تكون أداة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا مجرد محطة جديدة في مسار الأزمة.

تعليقات