منبر حر لكل اليمنيين

استراتيجية تطويق الصين في عهد ترامب:  بين الاحتواء الاقتصادي و الحرب ضد إيران وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية

أ.د.عبدالوهاب العوج

أ.د.عبدالوهاب العوج::

لم تكن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه التنين الصيني مجرد ردود فعل آنية على اختلال الميزان التجاري، بل جاءت ضمن تصور استراتيجي أوسع يعكس تحوّلًا عميقًا في العقل الاستراتيجي الأمريكي، يقوم على الانتقال من إدارة صعود الصين إلى محاولة كبحه وإعادة توجيهه، في إطار ما يمكن توصيفه بسياسة “التطويق متعدد الأدوات”، التي تجمع بين الاقتصاد والتكنولوجيا و العمل العسكري والمال والطاقة. هذا التحول يفسر الحرب الحالية ضد ايران وقبلها السيطرة على نفط فنزويلا  والذي يعيد إلى الأذهان، من حيث البنية وليس التطابق، سياسات الاحتواء التي انتهجتها الولايات المتحدة تجاه الاتحاد السوفيتي السابق خلال الحرب الباردة، مع فارق جوهري يتمثل في أن الصراع مع الصين يجري داخل منظومة اقتصادية عالمية متشابكة، وليس بين نظامين منفصلين بالكامل.

في البعد الاقتصادي، شكّلت الحرب التجارية التي أطلقها ترامب نقطة الانطلاق، حيث فرضت الإدارة الأمريكية تعريفات جمركية على واردات صينية تجاوزت قيمتها مئات المليارات، في خطوة استهدفت ضرب نموذج النمو الصيني القائم على التصدير، وإجبار الشركات العالمية على إعادة تموضعها خارج الصين، وقد بدأت بالفعل موجات انتقال جزئي نحو دول مثل فيتنام والهند، فيما عُرف بظاهرة “فك الارتباط” الجزئي، غير أن هذه السياسة، رغم تأثيرها، لم تؤدِ إلى انهيار النمو الصيني، بل دفعت بكين إلى تسريع الاعتماد على السوق الداخلي وتعزيز سياسات الاكتفاء الذاتي، بالتوازي مع توسيع حضورها الخارجي عبر مبادرة الحزام والطريق، التي أعادت تشكيل شبكات التجارة والاستثمار بعيدًا عن المركز الأمريكي.

أما في المجال التكنولوجي، فقد أدركت واشنطن أن جوهر الصراع مع الصين يتمحور حول من يملك مفاتيح المستقبل، لذلك استهدفت بشكل مباشر شركات التكنولوجيا الصينية، وعلى رأسها شركة هاوي Huawei، عبر إدراجها في القوائم السوداء ومنع وصولها إلى الرقائق المتقدمة وأنظمة التشغيل الأمريكية، وقد أدى ذلك إلى إبطاء توسع الشركة عالميًا، لكنه لم يقضِ عليها، بل دفعها إلى تطوير بدائل محلية وتسريع برامج الاكتفاء التكنولوجي، ما يعكس أن الضغوط الأمريكية، رغم فعاليتها التكتيكية، ساهمت في تعزيز النزعة الاستقلالية التكنولوجية الصينية على المدى البعيد.

في البعد العسكري والأمني، سعت الولايات المتحدة إلى إعادة تنشيط شبكة تحالفاتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، عبر دعم ترتيبات مثل “التحالف الرباعي” وتعزيز العلاقات الدفاعية مع دول الإقليم، إلى جانب تكثيف الدعم العسكري لتايوان، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقييد الحركة البحرية الصينية، خصوصًا في بحر الصين الجنوبي، ورغم أن اتفاق AUKUS تم الإعلان عنه لاحقًا في عهد جو بايدن، إلا أن جذوره تعود إلى التصعيد الاستراتيجي الذي بدأ في عهد دونالد ترامب في رئاسته الأولى، ما يعكس استمرارية مؤسسية في السياسة الأمريكية تجاه الصين تتجاوز تغير الإدارات.

في البعد المالي، اتجهت الإدارة الأمريكية إلى تقليص تدفقات رأس المال نحو الشركات الصينية، عبر منع الاستثمار في شركات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، والتضييق على إدراج الشركات الصينية في البورصات الأمريكية، وهي خطوات هدفت إلى حرمان الصين من أحد أهم مصادر تمويلها الخارجي، غير أن بكين استجابت عبر تعميق أسواقها المالية المحلية، وتعزيز استخدام عملتها في التبادلات الدولية، في محاولة تدريجية لتقليل الاعتماد على النظام المالي الذي تهيمن عليه واشنطن.

أما البعد الأكثر تعقيدًا، فيتمثل في أمن الطاقة، حيث يتقاطع الصراع الأمريكي الصيني مع جغرافيا إمدادات النفط والغاز العالمية، فالصين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة، تعتمد بشكل كبير على ممرات بحرية حساسة، في مقدمتها مضيق هرمز في الخليج العربي، وقد ترافقت سياسات الضغط الأمريكية على دول مثل إيران وفنزويلا مع تأثيرات غير مباشرة على أمن الطاقة الصيني، سواء من حيث تنويع مصادر الإمداد أو رفع كلفة الحصول عليها، ما يفتح المجال أمام قراءة أوسع ترى في الطاقة ساحة خفية من ساحات التطويق الاستراتيجي.

ومع ذلك، فإن تقييم نجاح هذه الاستراتيجية لا يمكن أن يكون أحادي الاتجاه، فبينما نجحت الولايات المتحدة في إبطاء بعض مسارات الصعود الصيني، فإنها في المقابل دفعت بكين إلى تسريع بناء منظومات بديلة، سواء في التكنولوجيا أو المال أو الجغرافيا الاقتصادية، كما أن طبيعة الترابط الاقتصادي العالمي تجعل من الصعب تحقيق “فك ارتباط” كامل دون كلفة مرتفعة على الطرفين.

في هذا السياق، يبدو أن العالم لا يتجه نحو تكرار نموذج الحرب الباردة التقليدي، بل نحو نمط أكثر تعقيدًا من التنافس، يجمع بين الصراع والتشابك في آن واحد، حيث تحاول واشنطن إعادة رسم قواعد النظام الدولي بما يحفظ تفوقها، بينما تعمل بكين على إعادة تشكيل هذا النظام تدريجيًا بما يعكس وزنها المتصاعد.

وهنا يبرز السؤال الجوهري، ليس فقط حول قدرة الصين على الصمود، بل حول ما إذا كانت استراتيجية التطويق الأمريكية قادرة على تحقيق هدفها النهائي، أم أنها ستؤدي، على المدى الطويل، إلى تسريع تشكّل نظام دولي متعدد الأقطاب، تكون فيه الصين أحد مراكزه الرئيسية.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل التصعيد القائم في الخليج العربي ضد إيران عن السياق الأوسع للصراع الدولي مع الصين، إذ تشير مجموعة من المؤشرات الاستراتيجية إلى أن هذا التصعيد يتجاوز كونه مجرد محاولة لاحتواء الدور الإقليمي الإيراني أو استنزاف قدراته العسكرية، ليمتد إلى كونه جزءًا من معادلة أوسع تستهدف إعادة تشكيل خريطة تدفقات الطاقة العالمية، فالصين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة، تعتمد بدرجة عالية على إمدادات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج العربي، بما في ذلك الإمدادات المرتبطة بالسوق الإيرانية، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات التفاف مختلفة، وهو ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في هذه المنطقة عامل ضغط مركزي على الاقتصاد الصيني، ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الضغوط المتزايدة على إيران، بما في ذلك العقوبات والتلويح بخيارات عسكرية، ضمن استراتيجية غير مباشرة تستهدف تقليص قدرة الصين على الوصول الآمن والمستقر إلى مصادر الطاقة، ورفع كلفة هذا الوصول إلى أقصى حد ممكن، وعليه، فإن ما يجري لا يبدو فقط كصراع ثنائي بين واشنطن وطهران، بل كحلقة متقدمة في مسار أوسع لإعادة توزيع موازين القوة العالمية، حيث تتحول جغرافيا الطاقة إلى أداة مركزية في استراتيجية تطويق الصين، بما يعزز فرضية أن هذه المواجهة تمثل مرحلة متقدمة، وربما حاسمة، في سياق الصراع الدولي على النفوذ، وبما يدعم الاستنتاج بأن الهدف النهائي لهذه الحرب يتجاوز الإطار الإقليمي ليصل إلى محاولة خنق الصين نفطيًا وتقليص قدرتها على تأمين احتياجاتها الاستراتيجية من الطاقة.

  • أكاديمي ومحلل سياسي يمني

جامعة تعز

تعليقات