صلاح الطاهري::
حتي اللحظة يستمر العبث الايراني في استهداف العواصم الخليجية
وتستمر دفاعات الخليج في ردع ذلكم العبث بقدراتها الدفاعية المتطورة ومع دويّ الصواريخ والمسيرات الإيرانية الانتحارية، في تصعيدٍ غير مسبوق تجاوز حدود المناوشات ليصبح عدواناً صريحاً مباشراً يستهدف الأعيان المدنية وشرايين الطاقة العالمية.
تخرج علينا الألسنة الدعائية من طهران وبعض المخدوعين من نخبنا العربية لتربط هذا العبث بفزاعة الحرب مع إسرائيل، في محاولة بائسة لذر الرماد في العيون، وتسويق العدوان على الأشقاء كأنه ضريبة للممانعة المزعومة.
إن هذا المشهد السريالي يفرض علينا وقفةً مع الحقيقة المرة التي تأبى العاطفة المضللة الاعتراف بها.
عقودٌ من الزمن، وآلة الدعاية العبرية تحاول جاهدةً النفاذ إلى قلعة الوعي العربي، أنفقت فيها الغالي والنفيس لزرع فتنةٍ هنا أو شق صفٍ هناك، فارتطمت أطماعها بصخرة الانتماء العربي الفطري. وارتدّت سهامها إلى نحرها؛ إذ ظلّ العربي، بالفطرة واليقين، يدرك أن إسرائيل هي النقيض الوجودي الذي لا يمكن مهادنته أو القبول باختراقه للنسيج الوطني.
لكن المفارقة المأساوية التي نعيش فصولها الدامية اليوم، تكمن في أن ما استعصى على العدو الصهيوني تحقيقه بالحديد والنار والمال، تكفّل به النظام الإيراني ببراعةِ من يرتدي مسوح الزهاد ويخفي تحتها خناجر الغدر.
لقد نجحت طهران، تحت لافتة المقاومة المضللة، في فعل ما عجزت عنه آلة الاستخبارات الإسرائيلية؛ ففجرت المجتمعات من داخلها، وأحالت عواصم عربية عريقة كبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات ومرابض للمليشيات التي لا تدين بالولاء إلا للولي الفقيه.
إن من الغباء المستحكم، أو ربما من العمى السياسي المتعمد، أن يربط البعض اعتداءات إيران الحالية على دول الخليج بتلك الفزاعة الإسرائيلية.
إنها الخديعة الكبرى التي يراد بها تخدير الوعي العربي؛ فبينما ترفع طهران شعار الموت لإسرائيل في الميادين، تمارس القتل الفعلي للهوية العربية في الجغرافيا.
إنها تقتات على الصراع العربي-الإسرائيلي لتبرر تمددها الإمبراطوري، وتستخدم القدس قميص عثمان لتمرير صواريخها فوق رؤوس الأشقاء في الخليج العربي.
لقد بات لزاماً على العقل العربي الحصيف أن يتحرر من لوثة المقايضة الزائفة؛ فلا يمكن أن يكون استهداف أمن الخليج طريقاً للتحرير، ولا يمكن لتمزيق نسيجنا الاجتماعي العربي أن يكون نصرةً للقضية.
إن العداء لإسرائيل مبدأ لا يتجزأ، لكنه أبداً لا يمنح صك براءة لنظامٍ استباح الدم العربي في أقطارنا العربية ويسعى اليوم لمحاصرة معقل العروبة الأخير في الخليج.
إن ساعة الحقيقة تقتضي مضاعفة الضغط العربي، ليس فقط لوقف العبث العسكري، بل لتنقية الوعي من السموم التي زرعتها طهران في عقول البعض.
فالعدو الذي يهاجمك من الأمام تدرك كيف تواجهه، أما العدو الذي يتسلل من خلف ستار الدين والمناصرة والأخوة، ليحرق بيتك من الداخل، فهو من باب الاولوية لبقاء قوتك وتماسكك، الأشد خطراً، والأحق بالحذر، والأولى بالردع الحازم الذي لا يقبل القسمة على اثنين.
فلن تفتك اسرائيل بالعرب الا بخديعة ايران بتلويث الوعي وترويض العقول لمشروعها.
ولن تفتك اسرائيل بالعرب الا من بعد ان يقوم النظام الايراني بمهمة إضعاف وشرخ بيئة تماسك النسيج العربي وقدراته السياسية والعسكرية.