صلاح الطاهري::
الأرض مختطفة، والبحر مختطف، ولم نكن نعلم أن السماء اليمنية أيضاً باتت مختطفة، حتى جاءت حادثة مطار المخا لتكشف، بلا مواربة، أن ما تبقى من السيادة لم يعد إلا شعاراً يُرفع في البيانات، فيما القرار الحقيقي يُدار من خارج الدولة.
لم يكن تدشين الرحلات الجوية من مطار المخا حدثاً خدمياً عابراً، بل لحظة رمزية طال انتظارها بوصفها إعلاناً عن عودة الدولة إلى أحد أهم مفاصل سيادتها، غير أن تلك اللحظة سرعان ما انقلبت إلى مشهد فاضح لحقيقة أكثر قسوة حين مُنعت طائرة عائدة من جدة من الهبوط في المطار الذي دُشّنت رحلاته لتوّها، في واقعة لا تُسقط رحلة مدنية فحسب، بل تُسقط معها وهم السيطرة، وتؤكد أن السماء اليمنية ما تزال رهينة بيد مليشيا الحوثي رغم الاعتراف الدولي بالحكومة ورغم الحديث المتكرر عن مناطق محررة. ما جرى لا يمكن اختزاله في إشكال فني أو إجراء ملاحي، لأنه قرار سيادي مكتمل الأركان اتخذته جماعة مسلحة خارج إطار الدولة ونُفّذ عملياً دون أن تمتلك الحكومة المعترف بها القدرة على منعه أو حتى ضمان حق الهبوط الآمن لطائرة أقلعت بإذنها.
هذه الواقعة تعيد طرح السؤال المؤجل منذ سنوات: من يملك القرار القانوني والفني للأجواء اليمنية، ومن يتحكم فعلياً بغرف الملاحة الجوية وبمفاتيح الاتصالات والإنترنت التي تحولت من خدمات عامة إلى أدوات سيطرة وابتزاز لا تقل خطورة عن السلاح.
استمرار هذا الوضع يعني أن كل مطار يُفتتح وكل رحلة تُدشَّن ستظل معلقة بمزاج مليشيات انقلابية قادرة على تعطيلها متى شاءت، وهو ما يفرغ أي إنجاز خدمي من مضمونه، ويوجه رسالة ترهيب لشركات الطيران والمسافرين، ويقوض الثقة الدولية بسلامة الأجواء اليمنية.
الأخطر أن هذه السيطرة لا تمس الداخل فقط، بل تتقاطع مباشرة مع أمن الملاحة الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل موقع اليمن الحساس على البحر الأحمر، ما يجعل التغاضي الدولي عنها صمتاً مكلفاً وشراكة غير معلنة في تعريض الطيران المدني للخطر.
أمام هذه الحقيقة، لم يعد مقبولاً أن تكتفي حكومة الشرعية ببيانات الإدانة أو أن تدير الملف بسياسة الأمر الواقع، بل بات مطلوباً موقف سيادي حاسم يعيد تعريف المشكلة بوصفها قضية أمن قومي، يبدأ بنقل منظومات التحكم الجوي والاتصالات إلى مناطق خاضعة لسلطتها وربطها مباشرة بالمنظمات الدولية المختصة، وينتهي بانتزاع القرار السيادي من يد المليشيا.
كما أن المجتمع الإقليمي والدولي مطالب بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، فالدولة التي لا تملك سماءها لا يمكن أن تُحمَّل وحدها تبعات سلامة طيرانها، وحادثة المخا ليست استثناءً بل إنذاراً أخيراً.
ما لم يُحسم ملف السماء والاتصالات بوضوح وحزم، سيظل اليمن بلداً يستطيع فيه الطيار الإقلاع بإذن الحكومة، لكنه لا يضمن الهبوط إلا بموافقة الانقلاب، وستبقى السيادة شعاراً على الأرض فيما تُصادر في الجو.