منبر حر لكل اليمنيين

​بين إيمان الأنصار وأطماع السلالة

أسامة فؤاد محمد

تمثل قضية صراع الهوية في اليمن أحد أعقد الملفات التاريخية التي شكلت مسار الدولة والمجتمع منذ دخول يحيى بن الحسين الرسي إلى صعدة في نهاية القرن الثالث الهجري حيث لم يكن مشروع الإمامة مجرد سلطة سياسية عابرة بل كان مشروعاً يستهدف إعادة صياغة الوعي الجمعي اليمني وتجريف الهوية الإيمانية الفطرية التي عرف بها أهل اليمن منذ بزوغ فجر الإسلام واستبدالها بهوية سلالية ضيقة تقوم على حصر الحق الإلهي في الحكم والسيادة في سلالة بعينها تحت ذريعة الولاية والاصطفاء الرباني وهو ما يتصادم بشكل جذري مع جوهر الإسلام الذي يقوم على المساواة والتقوى كمعيار وحيد للتفاضل.
​لقد عملت الإمامة عبر قرون على طمس الهوية اليمنية الأصيلة التي كانت تستند إلى إرث حضاري وديني عريق يرى في الإسلام رسالة تحرر عالمية لا حكراً سلالياً وعمد الأئمة إلى انتهاج سياسة التجهيل المنظم وإحلال مفاهيم دينية مستحدثة لم ينزل الله بها من سلطان تخدم غرضاً واحداً وهو تثبيت كرسي السلطة بجعل طاعة الإمام من طاعة الله واعتبار الخروج عليه خروجاً عن الدين ولهذا الغرض تم تحريف مفهوم آل البيت من المودة في القربى إلى الاستحقاق السياسي المطلق والحصري.
​إن الدلائل التاريخية تشير بوضوح إلى أن الأئمة المتعاقبين استخدموا العنف الفكري والمادي لقمع أي صوت يمني ينادي بالعودة إلى المنابع الصافية للدين أو يستلهم أمجاد اليمن القديم ولهذا حاربوا العلماء الذين انتقدوا نظرية الحصر في البطنين وشوهوا سمعة كل من حاول إبراز الهوية اليمنية القحطانية التي ترى في اليمنيين أصل العرب وحماة العقيدة الأوائل الذين ناصروا النبي صلى الله عليه وسلم بدافع الإيمان لا بدافع القرابة السلالية فكان لا بد للإمامة من كسر هذا الاعتزاز بالذات اليمنية لإخضاع الناس لمبدأ التبعية المطلقة للسيد المطاع الذي يدعي لنفسه قداسة مستمدة من جينات وراثية وليس من عطاء معرفي أو عدل سياسي.
​لقد كانت الهوية الدينية التي صدرتها الإمامة غريبة عن الفطرة اليمنية لأنها قامت على الفصل الطبقي والتمييز العنصري حيث تم تقسيم المجتمع إلى سادة وعوام في تكريس واضح لنظام إقطاعي ديني يقتات على الجبايات والخمس والزكوات التي تذهب لجيوب السلالة بينما يعيش الشعب في فقر مدقع وجهل مطبق مما يثبت أن الهدف لم يكن يوماً إعلاء كلمة الله أو نشر العلم بل كان تطويع الدين ليكون خادماً للملك العضوض ومبرراً للاستبداد الذي غلف بغلاف القداسة والنسب النبوي الشريف الذي هو من أفعالهم براء فالمهمة الأساسية كانت مسخ الشخصية اليمنية وجعلها مجرد تابع يحرس حدود الإمامة ويؤمن بسيادتها الزائفة.

#يوميات_باحضرم
#القلم_الحر🖋

تعليقات