د/ جمال الحميري::
ما أقدمت عليه ميليشيا الحوثي من تهديد للطائرة اليمنية في حال هبوطها في مطار المخا الدولي، لا يمكن فصله عن نهج ممنهج دأبت عليه هذه الجماعة منذ انقلابها، يقوم على معاقبة المواطن اليمني جماعياً، وابتزاز معيشته، وتحويل أبسط حقوقه الإنسانية إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية.
فالطيران المدني ليس ترفاً، والمطارات ليست أهدافاً عسكرية، بل شرايين حياة تربط اليمنيين بالعالم، وتخفف من معاناتهم المتفاقمة في بلد أنهكته الحرب والحصار والانقسام. وعندما تُهدَّد طائرة مدنية، أو يُلوَّح باستهدافها، فإن الرسالة لا تُوجَّه لخصم سياسي، بل لمواطن أعزل يبحث عن علاج، أو طالب علم، أو مغترب يريد العودة إلى أهله، أو أسرة تحلم بلقاء بعد فراق طويل.
إن ميليشيا الحوثي، من خلال هذا السلوك، تؤكد مرة أخرى أنها تقف دائماً ضد مصلحة المواطن، وأنها لا ترى في اليمن إلا ساحة صراع مفتوحة، ولا ترى في الإنسان إلا وسيلة للضغط أو ورقة تفاوض. فكل خطوة تُخفف معاناة الناس تُقابل بالعرقلة، وكل نافذة أمل تُسارع الجماعة إلى إغلاقها، ولو كان الثمن هو تعريض أرواح المدنيين للخطر.
والمفارقة المؤلمة أن هذه التهديدات تُمارَس باسم الوطن، بينما الحقيقة أن الوطن لا يُبنى بقطع طرقه الجوية، ولا يُحمى بتهديد طيرانه، ولا تُصان سيادته بزرع الخوف في قلوب أبنائه. فالوطن هو المواطن أولاً، وأي فعل يُلحق الضرر بخدماته، أو يضاعف أوجاعه، أو يعمّق عزلته، لا يمكن وصفه إلا كفعل عدائي تجاه الوطن نفسه.
إن منطق الميليشيا القائم على التخويف والسلاح، أثبت فشله أخلاقياً ووطنياً، لأنه يضع الجماعة في مواجهة مباشرة مع الشعب، لا مع خصومها فقط. ومن هنا، فإن أي إنسان، أو جماعة، أو مشروع سياسي، يتعمد الإضرار بخدمة الوطن، أو يستخدم معاناة المواطنين كأداة ابتزاز، يُصنَّف مهما كانت شعاراته عدواً للوطن والمواطن معاً.
وفي ظل هذا الواقع، تصبح مسؤولية القوى الوطنية والضمير الإنساني، داخلياً وخارجياً، مضاعفة في حماية الملاحة الجوية، وتجنيب المنشآت المدنية الصراع، والضغط الجاد لوقف هذه الممارسات التي لا تخدم إلا إطالة أمد المعاناة، وتعميق الشرخ، وإبعاد اليمن أكثر عن طريق السلام والاستقرار.
فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من التهديدات، بل إلى من يفتح له الأبواب، لا من يغلق السماء في وجه أبنائه.