صناديق الاقتراع أم فوهات البنادق؟
ماذا قال الكاتب الأمريكي أندرسون عن وأد التجربة الديمقراطية في اليمن؟
لم يكن اليمن قبل عقد ونصف الدولة المثالية التي يتخيلها البعض أو ينفيها آخرون، لكنه لم يكن أيضا الفراغ السياسي الذي يصور اليوم. حتى عام 2010 كان اليمن يمتلك نظاما سياسيا تعدديا — ناقصا، مشوبا بالفساد واختلال موازين القوة — لكنه كان نظاما يسمح بالمنافسة السياسية وإدارة الصراع عبر المؤسسات..
بعد الوحدة عام 1990، أقر اليمن نظام التعددية الحزبية، وأُجريت انتخابات برلمانية ورئاسية متعاقبة. كان البرلمان منتخبا، والأحزاب السياسية نشطة، والصحافة — رغم القيود — حاضرة في المجال العام. تنافست قوى مثل: حزب المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي وحزب الإصلاح على السلطة داخل إطار سياسي واحد. وفي انتخابات 2006 واجه الرئيس علي عبدالله صالح مرشحا موحدا للمعارضة في منافسة انتخابية حقيقية، بمراقبة دولية..
لم تكن تلك الديمقراطية مكتملة، لكنها كانت موجودة، وكان يمكن إصلاحها، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد تعثر داخلي، بل انهيارا تدريجيا لنظام سياسي كامل تحت ضغط التفاعلات الإقليمية والدولية..
مع اندلاع احتجاجات 2011 ضمن موجة ما سمي بالربيع العربي دخل اليمن مرحلة انتقالية كان يفترض أن تقوده نحو نظام أكثر شمولا. انتقلت السلطة إلى الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي، وانطلقت عملية سياسية طموحة تمثلت في مؤتمر الحوار الوطني الذي جمع الأحزاب والقوى الاجتماعية المختلفة لصياغة عقد سياسي جديد..
كانت تلك لحظة تاريخية نادرة: فرصة لإعادة بناء الدولة اليمنية عبر السياسة، لكن السياسة لم تكن اللاعب الوحيد في اليمن..
في تحليلات عدد من الباحثين والكتاب الأمريكيين، ومن بينهم Brian Anderson، فإن السياسة الأمريكية في اليمن ظلت محكومة بأولوية واحدة: هي الأمن، فمنذ بداية الألفية كان اليمن ينظر إليه أساسا من زاوية الحرب على تنظيم القاعدة وليس من زاوية بناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة..
هذا المنظور الأمني لم يتغير عندما دخل اليمن مرحلة الانتقال السياسي. وعندما اندلعت الحرب عام 2015، تحولت البلاد سريعا إلى ساحة صراع إقليمي. قدمت الولايات المتحدة الأمريكية دعما عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا للتحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية، بينما انخرطت الإمارات العربية المتحدة بقوة في العمليات العسكرية وإعادة تشكيل موازين القوة على الأرض..
في مثل هذه الظروف، لا تزدهر الديمقراطية، فالحرب لا تبقي مجالا للسياسة. ومع استمرار العمليات العسكرية، انهارت مؤسسات الدولة اليمنية، وتوقف البرلمان عن العمل، توقفت الانتخابات، وتفكك النظام السياسي الذي كان — رغم ضعفه — يشكل الإطار الوحيد لإدارة الخلافات..
لكن الحرب لم تضعف الدولة فقط، بل أعادت تشكيلها بطرق جديدة، فخلال سنوات الصراع دعمت الإمارات تشكيلات مسلحة محلية خارج إطار الدولة أبرزها المجلس الانتقالي الذي أعلن نفسه ممثلا سياسيا للجنوب. وفي عام 2019 سيطر المجلس على مدينة عدن بعد مواجهات مع الحكومة المعترف بها دوليا..
يذهب Brine إلى أن هذه السياسة، لم تكن مجرد تكتيك عسكري، بل كانت خطوة أخرى في عملية تفكيك السلطة المركزية اليمنية..
والنتيجة التي يراها اليمنيون اليوم والعالم كذلك واضحة: دولة منقسمة، سلطة موزعة بين قوى مسلحة متعددة، وعملية سياسية تكاد تكون غائبة بالكامل..
في الشمال تفرض جماعة الحوثي نظاما سلطويا يقمع المعارضة السياسية. وفي المناطق التي تقع تحت سلطة الشرعية، تتوزع السلطة بين تشكيلات مسلحة مختلفة. وبين هذه القوى جميعا، اختفى المواطن اليمني من المعادلة السياسية..
لقد تحول اليمن من بلد كانت فيه الانتخابات — مهما كانت ناقصة — وسيلة لإدارة الصراع، إلى بلد تُدار فيه الخلافات عبر البنادق..
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فمهما كانت مسؤولية القوى الخارجية كبيرة في تعقيد الأزمة اليمنية، فإن مستقبل اليمن لن يصنعه إلا اليمنيون أنفسهم، ولن يكون الخروج من هذه الدوامة عبر انتصار عسكري لطرف على آخر، لأن الحروب الأهلية لا تنتج دولا مستقرة..
الطريق الوحيد القابل للحياة يمر عبر إعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي، أي عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنهاء حكم المليشيات، والعودة إلى الانتخابات كوسيلة لإدارة الخلافات الوطنية..
لقد جرب اليمنيون حكم القوة، وكانت النتيجة كارثية.
والآن لم يعد السؤال من يربح الحرب، بل من يملك الشجاعة ليعيد السياسة إلى اليمن..فالدول لا تُبنى بالبندقية..الدول تُبنى عندما يقرر الناس أن يضعوا خلافاتهم في صناديق الاقتراع بدلا من فوهات البنادق!.