منبر حر لكل اليمنيين

حين يتحوّل النقد إلى كراهية… الجرح الملوّث في جسد الإنسان اليمني

أحمد لقمان

أحمد لقمان::

لم يعد اليمن اليوم يواجه أزمة سياسية أو عسكرية فحسب، بل يواجه خطرًا أشد عمقًا وأطول أثرًا: خطر تمزيق الإنسان اليمني من الداخل عبر خطاب الكراهية. خطاب يتسلّل إلى الوعي العام، ويُقدَّم أحيانًا على أنه نقد، أو مظلومية، أو دفاع عن قضية، بينما هو في جوهره تحريض هويّاتي يهدد أسس التعايش الوطني.

عند متابعة وسائل التواصل الاجتماعي، أو بعض المنابر الإعلامية، يلحظ المرء بوضوح كيف يجري استدعاء كل أشكال الانقسام: شمال وجنوب، زيدي وشافعي، منطقة ضد أخرى، قبيلة ضد قبيلة، بل وحتى تقسيمات سلالية ولونية وجغرافية لا سند لها من دين ولا من قانون ولا من تاريخ دولة. الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لا يصدر فقط عن عامة الناس، بل تمارسه – صراحة أو تلميحًا – شخصيات محسوبة على النخب السياسية والاجتماعية، وبعض من يتولون مواقع مسؤولية أو يؤثرون في القرار العام.

النقد حق… لكن تحويله إلى كراهية جريمة
في أي مجتمع يسعى إلى بناء دولة، يكون النقد حقًا مشروعًا وضرورة لا غنى عنها. المسؤول يُحاسَب، والقائد يُنتقَد، وصاحب القرار يُساءل. لكن ما يحدث في اليمن هو انزلاق متعمّد من محاسبة الفعل إلى الطعن في الهوية؛ فيُهاجَم الشخص لا بسبب أخطائه، بل بسبب أسرته، أو منطقته، أو قبيلته، أو مذهبه، أو حتى لون بشرته.

هذا السلوك لا يخدم العدالة، بل يقتلها. فحين نحمّل مدينة كاملة أو قبيلة أو مذهبًا وزر أخطاء فرد، فإننا لا نُدين الفشل، بل نشرعن الظلم الجماعي، ونحوّل النقاش من سؤال: ماذا أخطأ؟ إلى صراع: من ينتمي إلى ماذا؟ وهنا يبدأ الخراب الحقيقي.

حين تخون النخب دورها الطبيعي
الرهان في الأزمات الكبرى يكون دائمًا على النخب؛ أن تهدّئ، أن تشرح، أن تضبط الخطاب، وأن تحمي السلم الاجتماعي. لكن المؤلم في الحالة اليمنية أن بعض هذه النخب تشارك في إذكاء الانقسام، إما بدافع سياسي، أو انتقامي، أو سعياً لحشد الأنصار، أو تبرير الفشل، أو خدمة لأجندات خارجية.

وحين يصدر خطاب الكراهية من شخص في موقع نفوذ، فإن أثره لا يكون رأيًا عابرًا، بل رسالة إذن مفتوحة للشارع بأن الكراهية مقبولة، بل ومشروعة. وهكذا ينتقل التحريض من المنصات إلى الساحات، وتخرج الجماهير وهي محمّلة بخطاب تعبوي يفقدها القدرة على ضبط الغضب، فيتحول الاحتجاج المشروع إلى سبّ جماعي وعداء داخلي.

لا استقرار لوطن يكره نفسه
لن يستقر اليمن في ظل هذا الشحن العدائي الهائل، ولا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية الإدانة الجماعية. فالتاريخ الإنساني يعلّمنا بوضوح أن:

المجتمعات التي تحاسب الأفراد بأفعالهم تتعافى،
والمجتمعات التي تعاقب الهويات تنهار.

لا شمال سينجو بكراهية الجنوب، ولا جنوب سيبني مستقبلًا بعداء الشمال، ولا مذهب سيحمي نفسه بإقصاء الآخر، ولا منطقة ستزدهر وهي تشتم بقية الوطن. الكراهية لا تبني دولة، بل تؤسس لحروب أطول وأعمق.

وسيأتي يوم – كما في تجارب كثيرة حول العالم – يتبرأ فيه الجميع من هذا الخطاب، ويتنصل الذين أسهموا في إشعاله من مسؤوليتهم عنه، لكن بعد أن يكون المجتمع قد دفع ثمنًا باهظًا.

إن مواجهة خطاب الكراهية مسؤولية وطنية عاجلة، وتبدأ في إعتقادي بخطوات واضحة:
1. ترسيخ مبدأ المحاسبة الفردية
فلا إدانة إلا للفعل، ولا تعميم على جماعة، ولا خلط بين الشخص وأهله أو منطقته.
2. تجريم خطاب الكراهية بكل أشكاله
مناطقيًا، مذهبيًا، قبليًا، سلاليًا أو عنصريًا، دون استثناء أو انتقائية.
3. إلزام القيادات والنخب بخطاب مسؤول
لأن الكلمة الصادرة من موقع سلطة أخطر من أي سلاح.
4. تعزيز الوعي العام بالفصل بين النقد والكراهية
عبر الإعلام والتعليم والمنابر الثقافية.
5. إعادة الاعتبار للهوية الوطنية الجامعة
القائمة على المواطنة المتساوية، لا على الفرز والإقصاء.
إن أخطر ما يهدد اليمن اليوم ليس الاختلاف، بل تحويل الاختلاف إلى كراهية.
المسؤول يُحاسَب لأنه أخطأ، لا لأنه ينتمي إلى هذه الأسرة أو تلك المنطقة.
والوطن لا يُبنى بإدانة الجماعات، بل بحماية الإنسان من التعميم والظلم.

فاليمن لا يحتاج مزيدًا من الخصومات، بل يحتاج وعيًا شجاعًا يوقف هذا النزيف الأخلاقي، قبل أن يصبح الجرح أعمق من أن يُضمد.

“اللهم ألّف بين قلوبنا، واطرد من نفوسنا العصبية والبغضاء، واجعلنا إخوةً متحابين على الحق والعدل”
وجمعتكم طيبه مباركه إن شاء الله.

  • من صفحته في فيس بوك.
تعليقات