منبر حر لكل اليمنيين

العقد الاجتماعي الغائب وبوصلة الخلاص لليمن

عمر الشلح

عمر الشلح::

في خضمّ الأمواج العاتية التي تضرب الجوانب السياسية والاجتماعية لليمن، وبين ركام الصراعات التي مزقت النسيج المجتمعي وأدخلت البلاد في أنفاق مظلمة من التشظي والاستقطاب، يبرز السؤال الوجودي الأكثر إلحاحاً: أين يكمن الحل؟ وكيف يمكن استعادة الدولة الضامنة للجميع؟ عند البحث في الأراشيف السياسية والفكرية لليمن الجمهوري، نجد أن “الميثاق الوطني” للمؤتمر الشعبي العام لا يمثل وثيقة حزبية فحسب أو برنامج سياسي خاص، بل يتجلى بصفته “ميثاق شرف” لكل القوى الوطنية، ونواة حقيقية لعقد اجتماعي جامع، صِيغ بحبر التوافق لا بحد السيف، وقدم رؤية استشرافية تزاوج ببراعة بين أصالة الموروث واستحقاقات الحداثة.

إن قراءة الميثاق الوطني اليوم، بعين فاحصة وأكاديمية، تكشف عن جوهره الفلسفي القائم على “الوسطية والاعتدال”.. لقد جاء هذا الميثاق في لحظة تاريخية فارقة (مطلع الثمانينيات) ليعالج أزمة الهوية والانتماء، ليس عبر استنساخ نظريات مستوردة، ولا عبر الانغلاق على ماضٍ جامد، بل عبر صهر القيم الإسلامية السمحة والتقاليد اليمنية الأصيلة في بوتقة الدولة المدنية الحديثة.. إنه يجمع بين “الماضي التليد” كمرتكز قيمي، وبين “المعاصرة” كأداة للنهوض، مؤسساً بذلك منهجية فكرية ترفض التطرف والغلو، وتنبذ الارتهان للأيديولوجيات الدخيلة التي لا تمت للتربة اليمنية بصلة.

يكمن الثقل الاستراتيجي للميثاق الوطني في كونه يؤسس لمفهوم “المواطنة المتساوية” كحجر زاوية لبناء الدولة.. فالمتأمل في نصوصه يجد تأكيداً صارماً على كرامة الإنسان وحريته، ورفضاً قاطعاً لكل أشكال التمييز، سواء كان مناطقياً أو سلالياً أو مذهبياً.. إنه يضع القيمة الإنسانية فوق كل اعتبار، معتبراً أن المواطن هو غاية التنمية ووسيلتها.. وفي ظل الواقع الحالي الذي تعاني فيه اليمن من مشاريع الإقصاء والتهميش، تبدو الحاجة ماسة لاستدعاء هذه القيم الميثاقية التي تضمن حياة حرة وكريمة للجميع، وتعيد الاعتبار للفرد اليمني كشريك في صناعة القرار وليس كوقود للحروب.

وعلى الصعيد الدبلوماسي والجيوسياسي، قدم الميثاق الوطني هندسة دقيقة للعلاقات الخارجية، تقوم على مبدأ “لا ضرر ولا ضرار”؛ حيث حدد أطر العلاقات الإيجابية مع الأشقاء والأصدقاء، مرتكزاً على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون المثمر الذي يخدم المصالح المشتركة.. هذه الرؤية المتزنة هي ما تفتقده السياسة اليمنية اليوم، حيث تحولت البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.. إن العودة إلى أدبيات الميثاق في هذا الشأن تعني استعادة السيادة الوطنية وقرار الدولة المستقل، وبناء جسور من الثقة مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي، بعيداً عن التبعية العمياء أو العداء العابث.

إن تشخيص الحالة اليمنية الراهنة يوصلنا إلى حقيقة مفادها أن غياب “الناظم الفكري” و”المرجعية الوطنية المتوافق عليها” هو الجذر الحقيقي للأزمة.. لقد ترك تغييب الميثاق الوطني فراغاً ملأته العصبيات الضيقة والمشاريع الصغيرة.. وبالتالي، فإن الحل لا يكمن في ابتكار حلول سحرية من العدم، بل في “إحياء” هذا العقد الاجتماعي وتطوير آلياته ليتناسب مع تحديات المرحلة.. فتطبيق مضامين الميثاق الوطني اليوم يعني العودة إلى الحوار كوسيلة وحيدة لحل الخلافات، والقبول بالآخر كشريك في الوطن، والاحتكام إلى صندوق الاقتراع بدلاً من صندوق الذخيرة.

حاليا اليمن يعيش حالة من الانقسام السياسي والاجتماعي، وتحديات اقتصادية وأمنية معقدة.. غير أن الميثاق الوطني يقدم إطارًا عمليًا للخروج من هذه الأزمة، إذا ما تم تطبيق مضامينه بجدية وإرادة وطنية صادقة؛ فبتبني قيم الميثاق، يمكن إعادة بناء الدولة على أسس من العدالة والمواطنة المتساوية، وتجاوز الانقسامات المناطقية والطائفية، وإرساء نظام سياسي يضمن المشاركة الواسعة ويحقق الاستقرار.. كما أن الالتزام بمبادئ الميثاق في العلاقات الخارجية يساهم في تحييد التدخلات، ويفتح الباب أمام دعم دولي وإقليمي لعملية التنمية وإعادة الإعمار.

الميثاق الوطني دليل عمل ومنهج حياة سياسية تعني كل المواطنين.. يعتبر طوق النجاة لاستعادة الجمهورية المختطفة وترميم البيت اليمني المتصدع.. إن الدعوة لتبني الميثاق الوطني كميثاق شرف لكل القوى الوطنية ليست دعوة حزبية، بل هي دعوة وطنية خالصة لاستلهام روح التوافق التي أنتجته، ولإعادة بناء الدولة اليمنية الحديثة التي تتسع لجميع أبنائها بلا استثناء، دولة النظام والقانون التي حلم بها الآباء المؤسسون، ويطمح إليها الجيل الحالي، والتي توازن بحكمة بين جذورها الضاربة في عمق التاريخ وأغصانها الممتدة نحو آفاق المستقبل.

تعليقات