المبادرات الوطنية اليمنية بين التشتت ومسارات السلام و لماذا فشلت؟
إعداد:
د.عبدالوهاب العوج::
*أكاديمي و محلل سياسي يمني.
ان اندلاع الحرب في 2015م وحتى اليوم انتجت العديد من المبادرات المجتمعية والسياسية لناشطين و مثقفيين وسياسين ووجاهات وشخصيات مدنية و قبلية، و هذه المبادرات تختلف عن الرسمية كا المبادرة الخليجية أو مفاوضات جنيف والكويت وستوكهولم؛ لأنها مبادرات من خارج المسار الرسمي للتفاوض، وإن كان بعضها حاول التأثير فيه.
والبحث في هذا الجانب يكشف أن المبادرات اليمنية المجتمعية كانت كثيرة ومتنوعة، لكنها بقيت مشتتة وضعيفة التأثير السياسي. ومن المهم ألا نعتبر كل مبادرة فاشلة بالمعنى الكامل؛ فبعضها نجح محلياً في الوساطة وفتح الطرق وتبادل الأسرى وتخفيف التوتر، لكنه فشل في التحول إلى مشروع وطني قادر على إنهاء الحرب.
أولاً: أبرز أنماط المبادرات اليمنية المجتمعية والسياسية بعد 2015
1. مبادرات وقف الحرب والنداءات الوطنية
منذ الأشهر الأولى للحرب ظهرت بيانات ونداءات من منظمات يمنية وشخصيات سياسية وحقوقية وشبابية تطالب بوقف العمليات العسكرية والعودة إلى الحوار. ففي أبريل 2015 مثلاً، أصدرت مجموعة من منظمات المجتمع المدني اليمنية نداءً إلى الأمم المتحدة والدول الأعضاء لوقف إطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية، واستئناف المفاوضات السياسية دون شروط مسبقة.
ثم تكررت هذه النداءات في السنوات التالية من شخصيات سياسية ومثقفين وناشطين، وصولاً إلى مبادرات دعت إلى استغلال المناسبات الدينية والأشهر الحرم لوقف القتال. ومن أمثلتها مبادرة عام 2018 التي دعا إليها مثقفون لوقف الحرب وإتاحة المجال أمام تسوية سياسية.
2. مبادرات النساء اليمنيات للسلام
برزت النساء اليمنيات بصورة خاصة في هذا المجال. ومنذ 2015 ظهرت شبكات وكيانات نسوية سعت إلى إدخال المرأة في عملية السلام، وإلى الضغط من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين.
وكان اجتماع 45 قيادية وناشطة يمنية مع المبعوث الأممي في قبرص في أكتوبر 2015 من النماذج المبكرة لهذا المسار، حيث جمع نساء من اتجاهات سياسية ومجتمعية مختلفة حول فكرة إنقاذ اليمن وتجاوز الخلافات.
ومن هذا المسار ظهرت لاحقاً مبادرات أكثر تنظيماً، مثل مبادرة مسار السلام التي تأسست عام 2015 وركزت على تمكين النساء والمجتمعات المهمشة والمشاركة الشعبية في عملية السلام.
مبادرة مسار السلام
3. مبادرات الشباب والناشطين
بعد انهيار المسار السياسي الذي بدأ عام 2011، انتقل جزء من الناشطين الشباب إلى العمل من أجل السلام والمجتمع المدني والإغاثة المحلية.
لكن الحرب أدت إلى انقسام الحركة الشبابية نفسها؛ فجزء من الناشطين غادر اليمن بسبب المخاطر الأمنية، وجزء تحول إلى العمل الإنساني والمجتمعي، بينما انخرط آخرون في أطراف الحرب. وتشير دراسة حديثة إلى أن ذلك أدى إلى تراجع المشاركة السياسية للشباب واختفاء عدد من المجموعات الشبابية المستقلة التي نشأت خلال مرحلة الثورة.
4. مبادرات المسار الثاني Track II
وهذه من أهم المبادرات التي تستحق الدراسة لأنها حاولت تجاوز الجمود الرسمي.
ومن أبرزها مبادرة مسار السلام التي قامت، مثلاً، في 2020 بتحليل مسودة الإعلان المشترك المقترحة لوقف إطلاق النار، ونشرت مقارنة بين مقترح المبعوث الأممي ومقترح الحوثيين، بهدف إعطاء المجتمع المدني اليمني فرصة للمشاركة في صياغة الحل.
مبادرة مسار السلام
وهنا ظهر إشكال مهم: المجتمع المدني اليمني كان في أحيان كثيرة يناقش عملية السلام من خارج غرفة التفاوض نفسها، بينما بقي القرار الفعلي في أيدي الأطراف المسلحة والدول الراعية.
5. المبادرات المحلية للوساطة وبناء السلام
وهذه ربما كانت أكثر المبادرات نجاحاً عملياً، وإن كانت أقل شهرة إعلامياً.
ففي محافظات ومديريات مختلفة ظهرت لجان وساطة محلية، ومبادرات قبلية ومجتمعية، ومجالس قروية ولجان مجتمعية عملت على حل النزاعات المحلية، وفتح الطرق، وتأمين الخدمات، ومنع تجدد العنف.
وتشير الدراسات إلى أن منظمات المجتمع المدني أصبحت، نتيجة ضعف مؤسسات الدولة، تؤدي أدواراً في إدارة الشأن المحلي وتقديم الخدمات وبناء آليات المشاركة والمساءلة.
كما دعمت برامج أممية حديثة مبادرات محلية صغيرة تقودها منظمات يمنية لمعالجة قضايا محلية وتعزيز المشاركة في السلام، بما في ذلك مبادرات تستهدف النساء والشباب واللجان المجتمعية.
لماذا فشلت المبادرات اليمنية المجتمعية والسياسية في إيقاف الحرب؟
هنا أعتقد أن التحليل يحتاج إلى الابتعاد عن القول إن “اليمنيين لم يقدموا مبادرات”.
العكس هو الصحيح.
المشكلة أن اليمنيين قدموا مبادرات كثيرة، لكنهم لم يمتلكوا القوة اللازمة لتحويلها إلى قرارات ملزمة.
وهذه نقطة جوهرية.
1. المبادرات كانت تفتقر إلى القوة السياسية والعسكرية
معظم الناشطين والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني لا يمتلكون جيوشاً أو موارد مالية أو أدوات ضغط على الأطراف المسلحة.
وبالتالي كان بإمكانهم تقديم رؤية للسلام، لكنهم لم يستطيعوا إجبار الحوثيين أو الحكومة أو القوى الإقليمية على تنفيذها.
وهذا هو الفارق بين صناعة فكرة السلام وصناعة السلام نفسه.
2. تشرذم المجتمع المدني نفسه
لم يكن المجتمع المدني اليمني كتلة واحدة.
الحرب قسمت المجتمع، وانعكست الانقسامات السياسية والمناطقية والحزبية على المنظمات والناشطين أنفسهم.
وتشير دراسة لمركز صنعاء إلى أن نحو 74% من المنظمات التي شملها المسح اعتبرت تسييس المجتمع المدني بسبب الحرب مشكلة مهمة أو شديدة الأهمية، كما اعتبرت نسبة كبيرة الاستقطاب المجتمعي المتزايد تحدياً رئيسياً.
وهذا يعني أن بعض المبادرات فقدت صفة الحياد الوطني في نظر الأطراف الأخرى، حتى عندما كان أصحابها يرون أنفسهم محايدين.
3. القمع والخوف
الناشط الذي يريد الحديث عن السلام في بيئة حرب قد يدفع ثمناً شخصياً كبيراً.
فالمجال المدني تقلص بشدة بعد 2015، وأغلقت أو تعطلت نسبة كبيرة من منظمات المجتمع المدني، وتعرض ناشطون وصحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان للمضايقة والاعتقال والعنف.
وفي مناطق سيطرة الحوثيين تحديداً أصبح العمل المدني المرتبط بالسلام شديد الحساسية؛ لأن الأطراف المتحاربة كثيراً ما تنظر إلى النشاط من أجل السلام باعتباره موقفاً ضدها أو ضد مصالحها.
4. غياب التنسيق بين المبادرات
هذه ربما واحدة من أكبر نقاط الضعف.
كان لدينا:
مبادرات شبابية.
مبادرات نسوية.
مبادرات قبلية.
مبادرات سياسية.
مبادرات للمثقفين.
مبادرات للمنظمات المدنية.
مبادرات محلية.
مبادرات لشخصيات سياسية.
لكن لم يتشكل منها تيار وطني موحد للسلام يمتلك رؤية مشتركة وهيكل قيادة وأهدافاً وآليات ضغط.
بمعنى آخر:
كثرة المبادرات لم تنتج قوة سياسية واحدة.
5. المبادرات كانت في الغالب أخلاقية أكثر منها سياسية
الكثير من المبادرات قالت:
أوقفوا الحرب… أنقذوا اليمن… عودوا إلى الحوار… احقنوا الدماء.
وهذه مطالب صحيحة أخلاقياً وإنسانياً.
لكنها لا تجيب بالضرورة عن الأسئلة الصعبة:
من يحكم؟
ما شكل الدولة؟
ماذا يحدث للسلاح؟
كيف يعاد دمج القوات؟
كيف توزع الموارد؟
ما وضع الجنوب؟
كيف تضمن حقوق المناطق المختلفة؟
من يدير المؤسسات؟
كيف يتم الانتقال السياسي؟
من يضمن تنفيذ الاتفاق؟
ماذا يحدث إذا رفض أحد الأطراف التنفيذ؟
وهنا تحولت بعض المبادرات إلى دعوات للسلام أكثر من كونها مشاريع لتسوية الصراع.
6. استبعاد المجتمع المدني من صناعة القرار النهائي
هذه نقطة شديدة الأهمية.
وجدت دراسات يمنية أن منظمات المجتمع المدني كانت تشعر بأنها لا تُستشار بصورة كافية في عملية السلام الأممية.
ففي 2020، مثلاً، أشارت مبادرة مسار السلام إلى أن مكتب المبعوث لم يتشاور مع مكونات المجتمع المدني والنساء والشباب بشأن مسودة الإعلان المشترك. كما أظهر بحث آخر، استند إلى مقابلات مع 95 فاعلاً مدنياً يمنياً، وجود شعور واسع بالإحباط وانعدام الثقة بسبب محدودية قنوات التواصل مع عملية السلام الرسمية.
مبادرة مسار السلام +١
وهكذا أصبح المجتمع المدني أحياناً مستمعاً لعملية السلام لا شريكاً في صناعتها.
7. العامل الإقليمي والدولي
وهذه هي العقدة الأكبر.
المبادرة المجتمعية اليمنية تستطيع أن تقول:
نريد السلام.
لكنها لا تستطيع وحدها التحكم في:
التمويل العسكري.
السلاح.
الضغوط الإقليمية.
العقوبات.
الحدود.
القرار الدولي.
الدعم السياسي والعسكري للأطراف.
ولهذا شعر كثير من الشباب بأن الحرب أكبر منهم، وأن اليمن أصبح ساحة لصراع أوسع. وفي نقاشات أجراها مركز صنعاء مع شباب وناشطين، ظهر بوضوح شعور بالإحباط من محدودية قدرتهم على التأثير في مسار الحرب.
الخلاصة التي أراها أكثر دقة
يمكن صياغة الحكم على المبادرات اليمنية المجتمعية منذ 2015 بهذه الصورة:
لم تفشل المبادرات اليمنية لأنها كانت تفتقر إلى الرغبة في السلام، وإنما فشلت لأنها كانت تفتقر إلى القوة السياسية والتنظيمية والضمانات التي تمكنها من تحويل الرغبة في السلام إلى تسوية ملزمة.
والأهم أن المبادرات المحلية لم تكن عديمة الجدوى؛ فقد حققت نجاحات محدودة في الوساطة المحلية، وفتح الطرق، وتخفيف التوتر، والمساعدات، وبناء الثقة، وإشراك النساء والشباب. لكن نجاحها ظل جزئياً ومحلياً ومؤقتاً ولم يرتقِ إلى مستوى إنهاء الحرب الوطنية.
لذلك فإن المشكلة ليست في غياب المبادرة اليمنية، وإنما في غياب الحامل الوطني الجامع للمبادرات.
وهنا يمكن أن تكون الفكرة المركزية
“من كثرة مبادرات السلام إلى غياب مشروع السلام الوطني: لماذا فشل المجتمع اليمني في تحويل مبادراته منذ 2015 إلى قوة قادرة على إنهاء الحرب؟”
وهذه زاوية أعمق بكثير من مجرد سرد المبادرات؛ لأنها ستبحث في الفجوة بين إرادة المجتمع اليمني للسلام وبين قدرة القوى السياسية والعسكرية والإقليمية على فرض استمرار الحرب.


