تكليف في لحظة مفصلية: لماذا يعد اختيار الدكتور شائع الزنداني خطوة في الاتجاه الصحيح؟
د. عادل الشجاع
د. عادل الشجاع
يأتي تكليف الدكتور شائع الزنداني بتشكيل الحكومة في لحظة دقيقة من تاريخ اليمن، لحظة تتقاطع فيها الحاجة إلى استعادة ثقة الشارع مع ضرورة إصلاح بنية الشرعية ذاتها، وإعادة تعريف دورها بوصفها أداة إنقاذ وطني لا ساحة لتقاسم النفوذ، ومن هذا المنظور، فإن قرار التكليف لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري عابر، بل كخيار سياسي يعكس إدراكا متقدما لطبيعة المرحلة وتعقيداتها..
لقد أنهكت المحاصصة السياسية الدولة اليمنية، وأفرغت مؤسساتها من مضمونها، حتى باتت عاجزة عن الاستجابة لتطلعات المواطنين أو إدارة الأزمات المتراكمة، صحيح أن منطق التوازنات لا يزال حاضرا في هياكل عليا كمجلس القيادة الرئاسي ورئاسة البرلمان ومجلس الشورى، لكن هذا الواقع يفرض – لا يلغي – ضرورة أن تكون الحكومة القادمة مساحة مختلفة، مساحة للكفاءة لا للترضيات، وللعمل لا للمناورات..
من هنا، تتجه الآمال الشعبية إلى أن تشكل حكومة الدكتور شايع الزنداني قطيعة واعية مع نمط الحكومات السابقة، عبر الخروج من عباءة المحاصصة الحزبية والمناطقية، واختيار وزراء من أصحاب الخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، فاليمن اليوم لا يحتاج إلى أسماء مستهلكة، بل إلى عقول قادرة على التفكير خارج الأطر التقليدية، وإلى إرادة تنفيذية تتحمل مسؤولية القرار وتبعاته..
إن الحديث عن “حكومة إصلاح وإنقاذ” لم يعد ترفا سياسيا أو شعارا إنشائيا، بل ضرورة وجودية، فالإصلاح هو السبيل الوحيد لانتشال اليمن من أزماته الاقتصادية والمعيشية الخانقة، وهو المدخل الطبيعي لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وهذه الثقة لا تستعاد بالخطابات، بل بالأفعال: ضبط الموارد، تحسين الخدمات، تفعيل مؤسسات الدولة، وتقديم نموذج مختلف في الإدارة العامة..
ويمتلك الدكتور شائع الزنداني من المقومات ما يؤهله لقيادة هذه المرحلة، فهو رجل دولة يتمتع بخبرة طويلة في العمل الإداري والدبلوماسي، ويمتلك شبكة علاقات داخلية وخارجية مهمة، فضلا عن كونه شخصية وطنية جامعة، عابرة للمناطقية والاستقطاب الضيق، وهذه الصفات ليست تفصيلا ثانويا، بل عناصر حاسمة في بلد تتقاطع فيه السياسة بالجغرافيا، وتتشابك فيه الأزمات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية..
ولكي تنجح هذه التجربة، لا بد من منحه المساحة الكافية لاختيار الفريق الذي سيعمل معه، بعيدا عن الإملاءات والضغوط، فنجاح أي حكومة مرهون بانسجام فريقها، وبقدرة رئيسها على العمل مع وزراء يشاركونه الرؤية ويتحملون معه المسؤولية، إن تحميل رئيس الحكومة مسؤولية التنفيذ، دون منحه أدوات الاختيار، هو وصفة مؤكدة للفشل..
اليمن يقف اليوم على مفترق طرق: إما الاستمرار في تدوير الأزمات، أو الشروع الجاد في مسار إصلاحي يفتح الباب نحو المستقبل، وتكليف الدكتور شائع الزنداني، إذا ما أُحسن استثماره سياسيا ودعم عمليا، يمكن أن يكون خطوة أولى في هذا المسار الطويل، لكنه الضروري..
إنها حكومة “مهمة” بامتياز، ومهمتها لا تحتمل أنصاف الحلول..