منبر حر لكل اليمنيين

غليان الداخل الإيراني وتداعياته على الحوثيين.. مأزق النظام وانعكاساته الإقليمية

صلاح الطاهري

صلاح الطاهري ::

تشهد إيران تصعيداً غير مسبوق في وتيرة الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت أواخر الشهر الماضي على خلفية تفاقم الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وتدهور العملة المحلية، قبل أن تتحول سريعاً إلى حراك واسع شمل معظم المحافظات، في أكبر موجة اضطرابات تشهدها البلاد منذ ثلاث سنوات.

وبحسب تقارير حقوقية وإعلامية، أسفرت المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، إضافة إلى تنفيذ حملات اعتقال واسعة، في مشهد يعكس عمق الأزمة السياسية والاجتماعية التي تمر بها إيران.

تعود جذور هذه الاحتجاجات إلى حالة اختناق اقتصادي متراكم تعيشه إيران منذ سنوات، بفعل العقوبات الدولية المتواصلة، وسوء الإدارة الاقتصادية، وتراجع مستويات المعيشة، واتساع رقعة البطالة، خصوصاً بين فئة الشباب.

ومع الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية، لم تعد المطالب مقتصرة على تحسين الظروف المعيشية، بل تحولت إلى تعبير صريح عن فقدان الثقة بالسياسات الحكومية وبنية الحكم نفسها، في ظل شعور واسع بانسداد الأفق وغياب أي إصلاحات حقيقية.

العامل الاقتصادي، وإن كان الشرارة الأولى، إلا أنه تداخل مع عوامل سياسية واجتماعية أعمق، أبرزها تآكل الشرعية الشعبية للنظام، واحتكار القرار السياسي، وغياب آليات المساءلة، إلى جانب استياء متزايد من توجيه الموارد نحو مشاريع عسكرية وإقليمية على حساب الداخل الإيراني.

هذه العوامل مجتمعة جعلت من الاحتجاجات الحالية أكثر اتساعاً وحدة، وأقل قابلية للاحتواء السريع مقارنة بموجات سابقة.

في مواجهة هذا الحراك، لجأ النظام الإيراني إلى مقاربة أمنية صارمة، تمثلت في الانتشار المكثف لقوات الأمن والحرس الثوري، واستخدام القوة لتفريق المتظاهرين، واعتقال النشطاء، بالتوازي مع خطاب رسمي يتهم أطرافاً خارجية بالوقوف خلف الاضطرابات ومحاولة زعزعة الاستقرار الداخلي.

وعلى الرغم من طرح بعض الوعود الجزئية المتعلقة بتحسين الأوضاع المعيشية، إلا أن هذه الإجراءات بدت محدودة الأثر، ولم تمس جوهر الأزمة أو أسبابها البنيوية.

على المدى القريب، قد يتمكن النظام من احتواء الاحتجاجات بالقوة، مستنداً إلى جهاز أمني قوي وخبرة طويلة في التعامل مع الحراك الشعبي، غير أن هذا الاحتواء يظل مؤقتاً وهشاً. فالقمع، وإن أوقف التظاهر في الشارع، لا يعالج أسباب الغضب، بل يفاقم منسوب الاحتقان، ويعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع، ما يجعل احتمالات عودة الاحتجاجات أكثر ترجيحاً وبوتيرة أعلى.

المسار المتوقع للأحداث يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين فرض هدوء مؤقت بالقوة يقابله استمرار الغليان الشعبي تحت السطح، أو دخول البلاد في حالة استنزاف متبادل بين الشارع والسلطة مع تجدد الاحتجاجات كلما تفاقمت الأزمة الاقتصادية.

وفي حال فشل النظام في تقديم معالجات جذرية، قد تتحول الاحتجاجات إلى حراك أكثر تنظيماً واتساعاً، بما يشكل تحدياً داخلياً بالغ الحساسية.

على المستوى الدولي، يبرز موقف الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، بوصفه عامل ضغط سياسي وإعلامي على طهران.

إذ تؤكد واشنطن دعمها لما تسميه حق الإيرانيين في الاحتجاج، وتعتبر ما يجري دليلاً على فشل النظام في إدارة شؤون البلاد، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم الانخراط في مواجهة مباشرة، مكتفية بتشديد العقوبات واستثمار أي تصدع داخلي يضعف النفوذ الإيراني إقليمياً.

في المقابل، يتسم الموقف الروسي بالحذر والبراغماتية، حيث تلتزم موسكو خطاباً يدعو إلى الاستقرار ورفض التدخل الخارجي، انطلاقاً من خشيتها من تداعيات أي انهيار داخلي في إيران على مصالحها الإقليمية والدولية.

فروسيا ترى في بقاء النظام الإيراني، ولو مثقلاً بالأزمات، خيارًا أقل كلفة من سيناريو الفوضى أو التحول غير المحسوب.

وبالنسبة لليمن فإن هذه الأحداث تنعكس بشكل مباشر على الميليشيات المرتبطة بإيران في المنطقة، وفي مقدمتها مليشيات الحوثي في اليمن.

فتصاعد الاحتقان داخل إيران قد يحد من قدرة طهران على مواصلة الدعم المالي والعسكري لأذرعها الخارجية بالوتيرة ذاتها، ما قد ينعكس على نفوذ الحوثيين وقدرتهم على إدارة الصراع.

وفي حال بلغ الغضب الشعبي الإيراني حد إضعاف أو إسقاط سلطة المرشد علي خامنئي، فإن الحوثيين قد يواجهون أزمة وجودية حقيقية، تتمثل في فقدان الغطاء السياسي والعقائدي والدعم الاستراتيجي، وهو ما قد يفتح الباب أمام تحولات جوهرية في مسار الصراع اليمني.

في المحصلة، ما تشهده إيران اليوم يتجاوز كونه احتجاجات مطلبية عابرة، ليعكس أزمة عميقة في بنية الدولة وعلاقتها بالمجتمع، بأبعاد داخلية وإقليمية ودولية متشابكة.

وبينما قد تنجح السلطة في فرض هدوء مؤقت بالقوة، فإن غياب الإصلاح الحقيقي يجعل من هذه الاحتجاجات مؤشراً على مرحلة اضطراب طويلة، قد تعيد تشكيل مستقبل النظام الإيراني وتوازنات المنطقة خلال الفترة المقبلة.

تعليقات