منبر حر لكل اليمنيين

اليمن في مرمى الحرب الإقليمية: اقتصاد هش وجغرافيا خطرة

نايف حمود العزي

ليست المسألة في ما إذا كانت المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى ستطال اليمن أم لا؛ بل في الكيفية التي سيُعاد بها تعريف موقع اليمن داخل هذه المعادلة. فاليمن لم يعد نزاعًا محليًا معزولًا، بل أصبح جزءًا من شبكة ردع إقليمية متشابكة، تُستخدم فيها الجغرافيا بوصفها أداة ضغط سياسي وعسكري.
أولًا: اليمن كورقة ردع منخفضة الكلفة
في حال اندلاع مواجهة مباشرة، لن تكون طهران مضطرة لخوض اشتباك تقليدي مباشر. يكفيها تفعيل أدواتها غير المتكافئة. واليمن، بحكم موقعه المشرف على باب المندب، يمثل نقطة ضغط حيوية على الملاحة الدولية. أي تعطيل محدود للممرات البحرية في البحر الأحمر يرفع الكلفة العالمية فورًا، ويحوّل اليمن إلى ساحة رسائل متبادلة بين القوى الكبرى.
هنا ينتقل النزاع اليمني من كونه حربًا أهلية ممتدة إلى جزء من توازنات الردع الإقليمي. وهذا التحول لا يعني بالضرورة حربًا شاملة داخل اليمن، لكنه يعني إدخاله في حسابات عسكرية دولية لم يكن يملك قرارها أصلًا.
ثانيًا: الصدمة الاقتصادية… الحلقة الأضعف
الاقتصاد اليمني هو الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة.
أي توتر في البحر الأحمر ينعكس مباشرة على:
•تكاليف الشحن والتأمين، وبالتالي أسعار الغذاء والوقود.
•سعر الصرف، في ظل شحّ العملات الأجنبية وتراجع التدفقات.
•قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتمويل العجز.
في اقتصاد يعاني أصلًا من انقسام نقدي ومؤسساتي، فإن صدمة خارجية كهذه لا تُمتص، بل تتراكم وتتحول إلى عامل تسريع لانكشاف الدولة. ومع كل موجة تصعيد، يتوسع اقتصاد البقاء على حساب الاقتصاد الرسمي، وتترسخ أنماط السوق الموازية التي تُضعف فكرة الدولة ذاتها.
ثالثًا: تجميد المسار السياسي
الحروب الإقليمية لا تُنتج تسويات محلية؛ بل تُجمّدها.
أي تصعيد واسع سيجعل الملف اليمني تابعًا لأولويات الردع بين واشنطن وطهران وتل أبيب. وستُقرأ كل خطوة داخلية من منظور اصطفاف إقليمي لا من منظور تسوية وطنية.
هذا يعني أن أي مسار تفاوضي محتمل سيتراجع لصالح منطق المحاور، وأن الاستقطاب الداخلي سيتعمق بدل أن ينحسر.
رابعًا: البحر الأحمر… من ممر تجاري إلى ساحة اشتباك
البحر الأحمر ليس تفصيلًا جغرافيًا؛ بل شريانًا للتجارة العالمية. تعطيل الملاحة أو تهديدها يدفع الشركات لإعادة توجيه السفن ورفع الأسعار عالميًا. وفي هذه اللحظة، يتحول اليمن من ملف إنساني إلى ملف أمني دولي، بما يحمله ذلك من احتمالات تدخل مباشر أو غير مباشر في سواحله.
الخلاصة: تسريع الانكشاف البنيوي
الخطر على اليمن لا يكمن في عدد الضربات العسكرية، بل في طبيعة بنيته الاقتصادية والسياسية الهشة. فالدولة المنقسمة نقديًا والمؤسسات الضعيفة والاعتماد العالي على الخارج تجعل أي حرب إقليمية آلية لتسريع الانكشاف البنيوي للدولة، لا مجرد حدث خارجي عابر.
اليمن لا يملك قرار الحرب ولا أدوات تجنب آثارها. لكنه سيدفع كلفتها اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. وفي غياب مشروع وطني لتحصين الجبهة الاقتصادية، سيظل البلد ساحة قابلة للاستخدام كلما اشتعل الإقليم.
* باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية
تعليقات