منبر حر لكل اليمنيين

الوحدة اليمنية… حقيقة راسخة لا تهزّها الأوهام

د. جمال الحميري

د. جمال الحميري::

لم تكن الوحدة اليمنية حدثاً سياسياً عابراً، ولا صفقة ظرفية فرضتها موازين قوة مؤقتة، بل كانت ـ وستظل ـ تجسيداً لإرادة شعب واحد تشكّل عبر التاريخ جغرافياً وثقافياً واجتماعياً، قبل أن يُترجم سياسياً في لحظة وطنية فارقة. فاليمن، شماله وجنوبه وشرقه وغربه، لم يعرف في عمقه الحقيقي إلا هوية واحدة، وروحاً جامعة، ومصيراً مشتركاً.

لقد أثبتت التجارب، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الشعب اليمني موحّد في وجدانه وثقافته ونسيجه الاجتماعي، وأن محاولات التقسيم لم تكن يوماً تعبيراً عن إرادة شعبية، بل نتاج أزمات سياسية، وتدخلات خارجية، وغياب الدولة العادلة. ولعل المفارقة التي يتجاهلها دعاة التمزيق أن أبناء المحافظات الجنوبية كانوا، ولا يزالون، من أكثر المدركين لأهمية الوحدة، والأشد تمسكاً بها حين تُفهم كضمانة للعدالة والمواطنة المتساوية، لا كشعار يُفرغ من مضمونه.

إن المشكلة لم تكن في الوحدة ذاتها، بل في تعطّل مشروع الدولة، وتآكل المؤسسات، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية. وعندما تغيب الدولة، يتقدّم الخطاب المناطقي، ويعلو صوت المشاريع الصغيرة، لا لأن المجتمع يؤمن بها، بل لأن الفراغ يولّد الوهم، والضعف يغري بالتمزيق.

وعليه، فإن استعادة الدولة ليست خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وطنية وجودية. فعندما تعود كامل جغرافيا اليمن إلى حضن الدولة، وتُستعاد مؤسساتها، وتُفرض سيادة القانون، وتُدار البلاد تحت نظام جمهوري واحد، ودستور واحد، وقانون واحد، وحكومة واحدة، ستسقط تلقائياً كل الرهانات على التقسيم، وتتهاوى مشاريع التشظي أمام وعي شعب يعرف أن قوته في وحدته، وأمنه في دولته، ومستقبله في تماسكه.

الوحدة اليمنية ليست عبئاً على أحد، بل ضمانة للجميع، وليست تهديداً للتنوع، بل إطاراً حامياً له. وهي، قبل كل شيء، خيار شعب، لا يمكن مصادرته، ولا كسره، ولا إعادة تشكيله وفق أهواء عابرة أو مصالح ضيقة.

سيبقى اليمن واحداً، لأن الجغرافيا واحدة، والإنسان واحد، والتاريخ واحد… ولأن الأوطان التي تُبنى على وعي شعوبها لا تُهزم، مهما طال زمن الضجيج.

تعليقات