صلاح الطاهري::
في بلدٍ صار فيه الرغيف حلماً، والراتب ذكرى بعيدة، قررت السلطة الحوثية أن تمنح الناس في مناطق سيطرتها ما هو أهم: شاشة كبيرة، صوت جهوري، وصرخة طائفية، ومحاضرة مطوّلة عن كل شيء… إلا عن الجوع، الرواتب، والحياة اليومية التي يمارسها المواطنون في صمت.
مليارات الريالات من أموال الأوقاف والزكاة – التي فُرضت شرعاً لتكون سنداً للفقراء – وُجّهت لشراء شاشات تلفزيونية ضخمة للمساجد، لا لتعليم الأطفال، ولا لدعم الأرامل، ولا لتوفير وجبة بسيطة لموظف لم ير راتبه منذ سنوات، بل لتثبيت الولاء والاستماع لمحاضرات عبد الملك الحوثي وشقيقه الهالك.
هكذا، ببساطة، تُقلب الأولويات… الجوع مسألة ثانوية، والخطاب ضرورة وطنية، وشاشات البلازما أعلى من أي حق بشري.
الموظف الحكومي صار بطلاً أسطورياً؛ يذهب إلى عمله بلا راتب، يعود إلى بيته خالياً، يعيش على مساعدات متقطعة أو ديون انهكته.
ويُطلب منه الاستماع لخطاب عبده واخيه، يعلو صوت الشاشة على صوت معدته الفارغة.
الزوجة تعد وجبة ناقصة، والأطفال يكتفون بقطعة خبز صغيرة، بينما الصوت يملأ المسجد، يردد.. الولاء، الصبر، الطاعة، روحي لك الفداء.
في حي شعبي بحي من احياء تهامة، تقف أم أحمد أمام قدر صغير، تُقسّم القليل المتاح بين خمسة أطفال، وكلما حاولت رفع رأسها لتتنفس، صدى المحاضرة يعلو على صرخات الجوع.
المعلم ينتظر راتبه منذ أعوام، والطبيب يعمل بلا مستحقات، والطالب ترك جامعته لأنه لا يملك ثمن المواصلات، لكن الشاشات تضج بنهيق الحوثي، صوتها جهوري، تذكرهم بأن الولاء أهم من الحياة اليومية.
المفارقة الكبرى أن من لم يجدوا حلاً للموظف، أو المعلم، أو الطبيب، وجدوا حلاً فورياً لتثبيت الشاشات.
الجوع صار روحانية، البطالة عقيدة، والفقر ممارسة يجب أن تُسمع عبر مكبر الصوت.
كلما ضاقت الحياة، طال زمن المحاضرة، وكأن صوت الكهف يمكن أن يعوّض عن نقص الحياة.
الزكاة، التي كانت في الأصل سنداً للفقراء، تحولت إلى أداة لتثبيت السردية والخرافة. الخطاب أصبح بديلاً عن الرغيف، والمحاضرة بديلاً عن الدواء، وكأن المواطن لا يحتاج إلى معيشة، بل إلى وعي خميني عالي الدقة.
في المساجد، تُنصب الشاشات بعناية، التوصيلات والكابلات، التثبيت، الصوت… كل شيء محسوب، إلا حالة المواطنين خارج إطار الخطاب، الحوثي.
الموظف بلا راتب، الطالب بلا وسيلة للوصول لجامعته، الأم تُقسّم وجبة واحدة بين خمسة أطفال.
كل هذه الأسئلة خارج البرنامج الرمضاني، السلالي الزنق.
تُستبدل بفقرات عن الولاء، الطاعة، وآل البيت.
المواطن يعيش معادلة عبثية… بطون جائعة… وشاشة كبيرة، عالية الدقة. كلما ضاقت المعيشة، طال زمن المحاضرة، وكأن الجوع يُعالَج بالصوت الكهنوتي المرتفع، وكأن البطالة تُحل بإعادة بث الخطاب الطائفي ذاته عشرات المرات.
قد تقول المليشيا وقطيع من الزنابيل… إن هذا في سبيل الاهتمام بالدين.
أي دين هذا الذي يجعل مكبر الصوت أعلى من صوت الجائع؟ أي وعظ هذا الذي يتجاهل أول درس في الفقه الاجتماعي… أن الفقير أولى بالزكاة من أي خطاب؟
الكلمة والمحاضرة والدرس الحوثي هنا ليست دعوة للتقوى، بل جريمة ضد الوعي الوطني والديني، محاولة لتأطير العقل المشتت بين البطون الخاوية والشاشات التي تُقطرن العقول.
وفي النهاية، لا يحتاج الموظف إلى شاشة أكبر، ولا يحتاج الفقير إلى خطاب أطول.
يحتاجون إلى ما خُصص لهم شرعاً… الراتب، الطعام، الدواء، والحياة.
أما الشاشات، فستظل معلقة على الجدران، عالية الصوت… لكنها لن تملأ البطون، ولن تصنع كرامة، ولن تحل معاناة أحد، ولن تمنع سقوطكم عن رقاب اليمنيين.
رغيف مؤجَّل… وشاشة لا تُشبع.
هذا هو رمضان كما تريده المليشيا، وليس كما يريده المواطن.