منبر حر لكل اليمنيين

الصراعات في العالم الثالث: حين ترتفع الآمال وتتناقض المحصّلات

أحمد لقمان

أحمد لقمان::

(وجهه نظر للتأمل والتفكير الهادئ )

لوحِظ عبر تتبّع مسارات الصراعات السياسية والعسكرية التي يشهدها العالم الثالث، أنّ هذه الصراعات ــ على اختلاف شعاراتها ومبرّراتها وأهميتها ــ تنحصر في جوهرها حول هدف واحد وهو إزاحة الخصم أو الغريم من السلطة. تُرفع خلالها رايات التغيير، وتُبشَّر الشعوب بمرحلة جديدة عنوانها العدالة، والأمن، وتحسّن مستوى المعيشة. غير أنّ الواقع الذي يعقب هذه الصراعات غالبًا ما يأتي مناقضًا لتلك الوعود، بل أشد قسوة مما سبقه.

في المراحل الأولى لأي صراع، تتشكّل حالة من التعبئة العاطفية والجماهيرية، حيث تُغذّى الآمال بإمكانية الخلاص من الاستبداد أو الفساد أو التهميش. وتُقدَّم الصراعات على أنها ضرورة تاريخية لا بد منها لتحقيق الكرامة الوطنية أو العدالة الاجتماعية. غير أن هذه الآمال، في كثير من الحالات، لا تقوم على رؤى مؤسسية أو خطط واقعية لإدارة ما بعد الصراع، بل تُبنى على منطق الإقصاء وتصفية الحسابات.

ما إن يُزاح الغريم أو يسقط النظام القائم، حتى تدخل المجتمعات في مرحلة فراغ سياسي وأمني. تتراجع سلطة الدولة، وتضعف المؤسسات، ويختل ميزان الضبط الاجتماعي. وبدلًا من أن يتحقق الاستقرار المنشود، تتسع دوائر العنف، وتظهر صراعات جديدة بين حلفاء الأمس، إذ يتنافسون على السلطة والغنائم، لا على بناء الدولة أو خدمة المواطن.

من أبرز النتائج المباشرة لهذه الصراعات تراجع نسبة الأمان. فالأمن، الذي يُعدّ شرطًا أساسيًا لأي تنمية أو استقرار، يصبح سلعة نادرة. تنتشر الجريمة، وتتصاعد النزاعات المحلية، وتتحوّل حياة الناس اليومية إلى سلسلة من المخاوف والترقّب. ومع غياب الأمن، تتعطّل عجلة الإنتاج، وتُهجر الاستثمارات، وتتآكل مصادر الدخل.

بالتوازي مع ذلك، ترتفع تكلفة المعيشة بشكل حاد. فالاقتصادات الهشّة في دول العالم الثالث لا تحتمل الصدمات الطويلة. حيث تؤدي تلك الصراعات المتواصله إلى تدمير البنية التحتية، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، خصوصًا الغذاء والطاقة. ويجد المواطن البسيط نفسه محاصرًا بين دخلٍ متدنٍّ ومتطلبات معيشية متصاعدة، فيتضاعف الفقر وتتسع الفجوة الاجتماعية.

ولا تقتصر الآثار السلبية على الجوانب الاقتصادية والأمنية فحسب، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي نفسه. إذ تُغذّي الصراعات الانقسامات الطائفية والعرقية والمناطقية، وتُضعف الثقة بين مكوّنات المجتمع. كما تتراجع قيم التضامن، ويحلّ محلها منطق النجاة الفردية، ما يزيد من هشاشة المجتمعات وقدرتها المحدودة على التعافي.

المفارقة المؤلمة أن هذه النتائج تأتي في الوقت الذي تكون فيه التضحيات في ذروتها. فبعد سنوات من الصراع، وخسائر بشرية ومادية فادحة، يكتشف الناس أن المحصلة لا تعكس حجم التضحيات ولا تتناسب مع مستوى الآمال التي رُفعت في بدايات المواجهة. فيتحول الأمل إلى خيبة، والحلم بالتغيير إلى شعور عام بالإحباط واللاجدوى.

خلاصة القول، إن إشكالية الصراعات في العالم الثالث لا تكمن فقط في أسباب اندلاعها، بل في طبيعة إدارتها وغياب الرؤية لما بعد إسقاط الخصم. فالصراع الذي يُبنى على الإزاحة لا على البناء، وعلى الانتقام لا على المصالحة، محكوم بأن يُنتج واقعًا أكثر تعقيدًا وأشد معاناة. ولن تتغير هذه المعادلة ما لم يُعاد تعريف التغيير بوصفه مشروعًا شاملًا لإعادة بناء الإنسان والدولة معًا، لا مجرد استبدال غريم بآخر.

تعليقات