منبر حر لكل اليمنيين

رمضان… حين كان الحوار جسراً بين الدولة والمجتمع

د. طه حسين الهمداني

د. طه حسين الهمداني::

فيديو قديم من ثمانينات القرن الماضي أعاد الحنين إلى مرحلة شكّلت واحدة من أبرز المحطات في الحياة العامة، حين كانت ليالي رمضان تجمع كوكبة من الرواد وقادة المجتمع، ونخبًا من مختلف المشارب الثقافية والفكرية والمهنية.
لم يكن رمضان آنذاك مجرد موسم عبادة وروحانية، بل كان أيضًا شهرًا للعمل العام، والحوار المفتوح، والنقاشات الموسّعة حول قضايا الوطن وهموم المواطنين.

لقد شكّلت الأمسيات الرمضانية التي أُسِّس لها في عهد الرئيس الراحل علي عبدالله صالح نوافذ تواصل مباشر بين الدولة والمجتمع، حيث كان المسؤولون يلتقون بمختلف فئات الشعب: علماء ومثقفين وإعلاميين وشبابًا ورجال أعمال، في لقاءات اتسمت بالصراحة والشفافية، لمناقشة السياسات العامة والبرامج الحكومية في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والخدمات والتنمية المحلية.

لم تكن تلك المجالس مناسبات بروتوكولية عابرة، بل منصات حوار حقيقية، أتاحت للمسؤولين التعرف عن قرب على رؤى المواطنين وملاحظاتهم، وساعدت على رصد مواطن الخلل في تنفيذ الخطط والمشروعات، وهي جوانب قد لا تعكسها التقارير الرسمية المكتوبة. كما شكّلت فرصة لمناقشة قضايا العمل والإعلام والثقافة، ومشكلات الشباب، وسبل التدريب والتأهيل، وتعزيز فرص التنمية.

وقد كان لمشاركة الشباب أثرٌ خاص؛ إذ جرى إشراكهم في مناقشة هموم التعليم وجودة الخدمات وفرص العمل، ومعالجة الظواهر السلبية، بما يجعلهم شركاء في الحل، ويعزز شعورهم بأن صوتهم مسموع، فيتحولون إلى قوة وعيٍ مجتمعي وجسر تواصل بين الدولة والمجتمع.
في بيئة تقليدية كاليمن، حيث تلعب المجالس دورًا اجتماعيًا وثقافيًا مؤثرًا، أسهمت تلك اللقاءات في تعزيز التلاحم الوطني، وتخفيف الاحتقان، وتقريب وجهات النظر، وفتح أبواب التفاهم بدل القطيعة. كما أتاحت للفئات الهشة إيصال صوتها والتعبير عن احتياجاتها، وساهمت في دعم الأسر المنتجة والمشاريع الصغيرة، وخلق قنوات تواصل مباشر تحدّ من البيروقراطية وتمنع تراكم المشكلات.

إن هذا النوع من التواصل لا يعزز المشاركة فحسب، بل يسهم في بناء الثقة، ويحول دون تحول التذمر الصامت إلى احتقان أو احتجاج. فالثقة تُبنى بالحوار، والاستقرار يُصان بالمصارحة.
واليوم، ومع اتساع الفجوة بين بعض المسؤولين والجمهور، تبرز الحاجة إلى استلهام تلك الروح الإيجابية، لا باستنساخ الماضي، بل بتطوير أدوات معاصرة للحوار المؤسسي المنظم، تجعل من شهر رمضان محطة سنوية للقاءات مجدولة مع مختلف فئات المجتمع، في مناخ يسوده الاحترام والمسؤولية المشتركة.
إن بناء الثقة بين الدولة والمجتمع يبدأ من الاستماع الصادق، والحوار المفتوح، والشفافية في عرض التحديات. ورمضان، بما يحمله من قيم روحية واجتماعية، يمكن أن يكون فرصة حقيقية لإحياء ثقافة المشاركة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ تقاليد الحوار كأداة للاستقرار والبناء.

تعليقات