صادق الحكيم::
في لحظةٍ إقليمية مشحونة، حيث يتصاعد التوتر في مضيق هرمز، تعود الأنظار مجدداً إلى باب المندب، ليس كممرٍ بعيد عن مركز الصراع، بل كامتداد طبيعي له. ما يجري في هرمز اليوم لا يمكن فصله عما قد يحدث غداً في البحر الأحمر، فالممرّان يشكلان معاً عصب الطاقة العالمي، وأي خلل في أحدهما ينعكس فوراً على الآخر.
الولايات المتحدة تدرك هذه الحقيقة جيداً. لذلك، فإن معركتها في هرمز ليست فقط لحماية تدفق النفط، بل لإعادة رسم قواعد السيطرة على كامل شبكة الممرات البحرية من الخليج إلى قناة السويس. وفي هذا السياق، يصبح باب المندب الحلقة التالية في سلسلة التصعيد، أو على الأقل ورقة جاهزة للاستخدام في الوقت المناسب.
منذ دعم واشنطن لمسار اتفاق ستوكهولم، تم تثبيت واقع ميداني معقد في الساحل الغربي لليمن. الاتفاق الذي أوقف معركة الحديدة لم يُنهِ الحرب، بل أعاد توزيع أدواتها. فبدلاً من مواجهة برية حاسمة، انتقل الصراع إلى البحر، حيث الكلفة أقل للحروب غير التقليدية، والتأثير أكبر على الاقتصاد العالمي.
في هذا الإطار، برز الحوثيون كأداة ضغط غير مباشرة ضمن معادلة أوسع ترتبط بإيران. ومع تصاعد المواجهة في هرمز، تتزايد أهمية هذه الأداة. فطهران، التي تواجه ضغوطاً في الخليج، تستطيع توسيع رقعة التهديد نحو باب المندب، بما يخلق جبهة ضغط مزدوجة على الولايات المتحدة وحلفائها.
لكن المفارقة أن واشنطن، رغم إدراكها لهذا الترابط، لا تسعى إلى كسره جذرياً. سياستها تقوم على مبدأ “التحكم في مستوى التهديد”، لا القضاء عليه. فهي تحتاج إلى بقاء خطوط الملاحة تحت ضغطٍ محسوب، يبرر وجودها العسكري، ويمنحها قدرة تفاوضية أعلى في أي مواجهة مع إيران.
معركة باب المندب القادمة، إذا اندلعت، لن تكون نسخة من حروب الماضي. لن تكون معركة جيوش، بل صراع أدوات: زوارق مفخخة، طائرات مسيّرة، ألغام بحرية، واستهداف انتقائي للسفن التجارية. إنها حرب تستهدف الثقة في الممر الملاحي أكثر مما تستهدف السيطرة المباشرة عليه.
وفي حال تزامن التصعيد في هرمز وباب المندب، فإن العالم سيواجه سيناريو بالغ الخطورة: اختناق مزدوج لشرايين الطاقة والتجارة. حينها، لن يكون التأثير إقليمياً فحسب، بل عالمياً، يمتد إلى أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، واستقرار الأسواق.
الخطر الأكبر يكمن في أن هذا السيناريو لم يعد مستبعداً، بل يقترب تدريجياً مع كل تصعيد محسوب. فكلما اشتدت المواجهة في هرمز، زادت احتمالات نقل جزء من الضغط إلى باب المندب، سواء عبر أدوات مباشرة أو وكلاء إقليميين.
في المحصلة، لا يمكن قراءة باب المندب بمعزل عن هرمز، ولا فهم السياسة الأمريكية دون إدراك هذا الترابط. واشنطن لا تتحرك في مسارين منفصلين، بل في استراتيجية واحدة متعددة الجبهات، هدفها النهائي ليس فقط حماية الملاحة، بل التحكم في مفاتيحها.
السؤال الحقيقي لم يعد: أين ستكون المعركة القادمة؟
بل: هل ستبقى في هرمز…
أم تمتد لتشعل باب المندب أيضاً؟