منبر حر لكل اليمنيين

رحيل عفاش.. حين غادرت الروح جسد الدولة

ناجي الحارثي

ناجي الحارثي::

لا تُقاس لحظات الرحيل بعدد الكراسي التي تُفرغ، بل بحجم الفراغ الذي يتركه الغياب في تفاصيل الحياة اليومية؛ حين يصبح الأمان ذكرى، والطمأنينة حنينًا، وتغدو أبسط مقومات العيش أمنيات مؤجلة. هكذا بدا المشهد بعد رحيل الزعيم علي عبدالله صالح، لا كحادثة عابرة في سجل السياسة، بل كتحول عميق أصاب جسد الدولة في صميمه، حتى بدا وكأن الروح التي كانت تُسيّره قد غادرته دفعة واحدة.

لم يكن الحديث عن تلك المرحلة ترفًا فكريًا، ولا انحيازًا عاطفيًا محضًا، بل ضرورة يفرضها واقع يتكلم بلسان الناس قبل الأقلام.

فحين يستعيد المواطن تفاصيل يومه البسيط، يدرك الفارق دون حاجة إلى تنظير؛ بين زمنٍ كانت فيه الخدمات تنتظم كنبضٍ لا يختل، وزمنٍ باتت فيه الضروريات خاضعةً للمفاجآت والانتظار.

في عهدٍ مضى، لم تكن الدولة مجرد شعار، بل منظومة قائمة بذاتها.

كانت الكهرباء والمياه تصل إلى البيوت بوصفها حقًا لا يُناقش، وكان راتب نهاية الشهر موعدًا مع الكرامة قبل أن يكون رقمًا في كشف حساب.

كانت الطرق تربط القرى بالمدن، لكنها قبل ذلك كانت تربط الإنسان بأمل الحياة. وحين تُذكر المدارس والجامعات، لا تُذكر كمبانٍ صامتة، بل كجسورٍ نحو المستقبل، صنعت أجيالًا آمنت بأن الغد ممكن.

لم يكن ذلك الكمال المطلق، فكل تجربة بشرية يعتريها النقص، لكن الفارق كان في وجود اتجاه واضح، ودولة تعرف ماذا تريد، ومؤسسات—على ما فيها—قادرة على الاستمرار.

أما اليوم، فقد أصبح هذا التماسك ذاته موضع سؤال، بعد أن تحوّلت كثير من تلك المنجزات إلى ظلالٍ باهتة، تستدعي الماضي أكثر مما تصنع الحاضر.

وفي الجانب الإنساني، كان المشهد أكثر تعقيدًا وعمقًا. فقد عُرف “عفاش” بقدرته على احتواء خصومه، لا من باب الضعف، بل من منطق يدرك أن السياسة ليست ساحة تصفية دائمة، بل فن إدارة التناقضات. مدّ يده مرارًا، وفتح أبوابًا لمن خالفوه، فكان التسامح عنده خيار القادر لا اضطرار العاجز.

ومع ذلك، تبقى السياسة ميدانًا تتعدد فيه القراءات، وتختلف حوله الأحكام، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن تلك الروح التوافقية كانت أحد أعمدة الاستقرار.

وحين نقترب من الحقيقة المؤلمة، لا بد أن نطرح السؤال بصراحة: ماذا فقدنا فعلًا؟

لم يكن الفقد في شخصٍ بقدر ما كان في منظومة كاملة تراجعت ملامحها.

مشاريع كانت قائمة توقفت، ومؤسسات كانت تُدار تراجعت هيبتها، ومجتمع كان يجد حدًا أدنى من السكينة بات يواجه قلقًا مفتوحًا على كل الاحتمالات.

لم يعد المواطن يقارن بين مثالي وواقع، بل بين ممكنٍ كان قائمًا، وواقعٍ بات أكثر قسوة وتعقيدًا.

لقد أثبتت الأيام أن غياب القائد لا يُختبر بالشعارات، بل بقدرة الدولة على الاستمرار من بعده. وحين يتعثر هذا الاستمرار، فإن الخسارة تتجاوز الأشخاص إلى ما هو أعمق: إلى فكرة الدولة ذاتها، وإلى الثقة التي كانت تربط الناس بها.

إنها لحظة تستدعي التأمل لا الانقسام، والمراجعة لا المكابرة. فالأوطان لا تُبنى بالأفراد وحدهم، لكنها تتأثر بغيابهم حين يكونون جزءًا من توازنها.

ومن هنا، فإن الدرس الأهم لا يكمن في استدعاء الماضي بقدر ما يكمن في فهمه، واستخلاص ما يمكن أن يعيد للحاضر بعضًا من توازنه، وللمستقبل شيئًا من وضوحه.

اللهم إنا نشهد بما علمنا، ونقول بما رأينا، فاغفر له ما كان، وتجاوز عما مضى، واجعل ما قدّم في ميزان حسناته. وأعد لهذا الوطن سكينته، ولأهله أمنهم، ولأيامه ذلك النور الذي لا يغيب.

تعليقات