منبر حر لكل اليمنيين

انتصار الحمادي خارج السجن داخل الوجع

ماجد زايد

قبل أمس التقيت بـ انتصار الحمادي، كما لو كنا نعرف بعضنا من قبل. كانت تحمل في خيالها خمس سنوات من الألم والمعاناة، وكنت أحمل على عاتقي تجربة بسيطة، لكنها تشبهها كثيرًا. أخبرتها بأننا مررنا بالطريق ذاته، لنصبح اليوم ناجين جمعهما حلم النجاة. كانت تشعر بما أقوله لها تمامًا، وكنت أعرف جيدًا ما تعنيه كلماتها ونظراتها. الناجون يعرفون بعضهم جيدًا، لكنها أكثر مني ويلًا وزمانًا، ومع هذا كله، بقيت التفاصيل كلها محفورة في وجداننا وأذهاننا.

تحدثنا كثيرًا، عن كل شيء تقريبًا: عن السجن، عن طريقة الاعتقال، عن أول ليلة، عن التحقيق، عن الانفرادي، عن الليل الطويل، عن الخوف، عن الأمل، عن التردد، عن الذين تركناهم خلفنا، عن لحظة الإفراج، عن اللقمة الواحدة بينما نتقاسمها، عن التوق لرؤية الشمس وسماع الموسيقى، عن أمنيات النجاة، عن الأسئلة المتكررة كل يوم، عن قصص المعتقلين، عن القضايا العالقة في أذهاننا، عن القاهرة المزدحمة وكيف يضيع الناس فيها بسهولة.

هناك أشياء لا يفهمها سوى من عاشها، هكذا أخبرتني بينما تخفي مرارتها وخجلها. لم يكن ذلك السجن قصتنا فحسب، بل ما جاء بعده، ما عشناه بعد تلك الأيام، لنجد أنفسنا في لحظة لا يمكننا تصديقها، في مكان بعيد، في القاهرة، نتذكر الليالي والأحداث، ثم نطمئن بعضنا: لقد تجاوزنا ما حدث، وها نحن ذا لا نصدق أننا في مكان مزدحم بالجمال. سألتها بهدوء: هل توقعتِ هذه اللحظة؟ أن تجدي نفسك يومًا ما في مكان بعيد عنهم؟ أن يجمعنا مكان لا يشبه الذكريات العالقة؟

ما حدث لـ انتصار لا يمكن تجاوزه بسهولة؛ الأمر بالغ الأثر والتأثير، وكل ذلك العناء صار بعدها أوهامًا متكررة: الخوف، الأرق، الحذر، صعوبة الثقة، الإحساس بأن شيئًا بداخلك لم يعد كما كان. لقد خرجت من السجن، ولكن السجن لم يخرج من داخلها. السجن في حقيقة الأمر، لا ينتهي حين يفتح الباب، بل يبدأ من جديد حين تتذكر ما حدث. في نهاية المطاف، اتفقنا أننا نشبه بعضنا في كل شيء: في الخوف من الطرقات المغلقة، في الانتباه والفزع من الأصوات المفاجئة، في الصمت الطويل، في الحياة العالقة برؤوسنا، في أننا سنلتقي مجددًا، وسنلتقي بالفعل مجددًا.

 

تعليقات