منبر حر لكل اليمنيين

هل بدأ تحول النفوذ الإقليمي وتراجع خطاب تصدير الثورة الان؟

أ.د. عبدالوهاب العوج

أ.د. عبدالوهاب العوج::

لم يعد المشهد الإقليمي العربي اليوم قابلاً لقراءته من خلال الشعارات التقليدية التي سادت بعد عام 1979 ومجيء الخميني من فرنسا وتصديره لخطاب الثورة وشعار الموت لأمريكا….الخ، وعلى أساس شيعي في مفهوم تصدير الثورة، إذ انتقل هذا المفهوم من صيغة أيديولوجية صلبة تقوم على التعبئة المباشرة إلى نمط أكثر تعقيداً يقوم على إدارة النفوذ عبر شبكات سياسية وعسكرية غير رسمية داخل الدول العربية الاسيوية تحديدا، وهذا التحول لا يعني نهاية المشروع بقدر ما يعني إعادة تشكيل أدواته بما يتناسب مع تغير البيئة الدولية والإقليمية.

و في هذا السياق يمكن القول إن المنطقة العربية وبخاصة في الخليج و الجزيرة العربية لم تعد تواجه خطاباً واحداً واضحاً، بل تواجه منظومات نفوذ متداخلة تعمل داخل الدول لا من خارجها، وهو ما جعل الصراع أقل ارتباطاً بالشعارات الكبرى وأكثر ارتباطاً ببنية الدولة الوطنية نفسها، وبمدى قدرتها على الاحتواء أو الانهيار أمام الضغوط الداخلية والخارجية.

وفي الحالة اليمنية يظهر هذا التحول بأكثر صوره حدة من خلال مليشيات الحوثي، التي استطاعت الى حد كبير من نقل الصراع من خلاف سياسي داخلي إلى بنية مسلحة ذات طابع أيديولوجي وشعارات عابرة للحدود، مما أدى إلى إعادة تشكيل مفهوم الدولة لصالح قوى غير تقليدية، ومع الوقت أصبح الخطاب الديني والسياسي جزءاً من إدارة الصراع وليس مجرد غطاء له، وهو ما عمّق حالة الانقسام الاجتماعي والسياسي، وأدخل البلاد في دورة صراع طويلة الأمد تداخلت فيها العوامل المحلية مع الإقليمية.

أما في لبنان، فإن التجربة تعكس نموذجاً مختلفاً لكنه مرتبط بالمنطق نفسه، حيث تشكلت قوى سياسية مسلحة داخل بنية النظام الطائفي القائم أصلاً، ما جعل الدولة عاجزة عن احتكار القرار السيادي، ومع مرور الوقت تحولت هذه القوى إلى جزء من توازنات الإقليم، ترتبط بعلاقات استراتيجية تتجاوز حدود الدولة اللبنانية، وهو ما جعل مفهوم الدولة المركزية يتراجع أمام منطق التوازنات الداخلية المدعومة خارجياً.

وفي العراق، جاءت التحولات بعد عام 2003 لتفتح الباب أمام إعادة تشكيل كامل للنظام السياسي على أسس طائفية ومناطقية، حيث ظهرت قوى سياسية ومسلحة متعددة ارتبطت بالخارج بشكل مباشر أو غير مباشر، ما جعل الدولة العراقية في حالة توازن هش بين مؤسسات رسمية وسلطات موازية، ومع أن العراق يمتلك ثروة بشرية واقتصادية كبيرة، إلا أن بنية الدولة ما زالت تعاني من ضعف الاحتكار الكامل للقوة والقرار.

عند مقارنة هذه الحالات الثلاث يتضح أن المشكلة لم تعد في الشعارات بحد ذاتها، بل في هشاشة الدولة الوطنية العربية، فعندما تضعف الدولة يصبح المجتمع أكثر عرضة للاصطفاف الهوياتي وخاصة في دول تعاني من انقسامات طبقية او تعدد قومي او مذهبي، و سواء كان كان هذا التشضي دينياً أو مذهبياً أو مناطقياً فانه يؤدي الى كوارث كبرى لا يمكن علاجها بسهولة، وهنا تتحول الأفكار الكبرى إلى أدوات في صراع محلي على السلطة والنفوذ، وليس إلى مشاريع فكرية أو عقائدية خالصة.

أما الحديث عن احتمال تراجع النفوذ الإقليمي أو انكفاء الأطراف الفاعلة تحت ضغط المواجهات الدولية، فهو احتمال قائم جزئياً من حيث إعادة التموضع وتقليل الكلفة المباشرة، لكنه لا يعني بالضرورة انسحاباً كاملاً، لأن منطق النفوذ في المنطقة أصبح قائماً على التغلغل غير المباشر أكثر من الحضور العلني، وعلى إدارة التوازنات بدل الحسم النهائي.

في المقابل تبرز اليوم حاجة عربية متزايدة لإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي على أسس تتجاوز الاصطفاف الطائفي والمذهبي، والعودة إلى فكرة الدولة الوطنية القادرة على استيعاب التنوع الداخلي ضمن إطار المواطنة، لأن استمرار هشاشة الدولة سيبقي المنطقة مفتوحة أمام أي شكل من أشكال التدخل أو النفوذ الخارجي، بغض النظر عن مصدره أو شعاراته.
وبذلك يمكن القول إننا أمام مرحلة إعادة تشكيل إقليمي عميق، لا تنتهي فيها المشاريع بل تتغير أدواتها، بينما يبقى العامل الحاسم هو قدرة الدول العربية على استعادة تماسكها الداخلي، وإعادة بناء مؤسساتها على أساس الدولة لا الجماعة، والمواطنة لا الهوية الفرعية.

* أكاديمي ومحلل سياسي يمني جامعة تعز

تعليقات