د. مطيع الاصهب::
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها اليمن، تتصاعد أحاديث عن مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة وتوحيد القرار. هذا الطموح مشروع، بل وملحّ بعد سنوات من الانقسام والتشظي. لكن الطريق إلى الدولة ليس بيان سياسي، بل مسار معقد يحتاج إلى رؤية واقعية وإرادة صلبة.
أول ملامح هذه المرحلة يتمثل في إعادة ترتيب البيت الداخلي، وسحب النفوذ من الأطراف التي نشأت في ظل الفوضى، داخليًا وخارجيًا. غير أن نجاح هذه الخطوة لا يتحقق بالإقصاء وحده، بل بإعادة دمج القوى ضمن إطار وطني جامع، يحدد بوضوح من يعمل تحت سقف الدولة ومن يختار البقاء خارجها.
اقتصاديًا، يبقى توحيد السياسة النقدية وإنهاء ازدواج العملة بين مناطق الحكومة ومناطق سيطرة جماعة أنصار الله تحديًا بالغ الحساسية. فالاستقرار المالي لا يُفرض بقرار إداري فقط، بل يحتاج إلى إصلاحات مصرفية، وضبط للإيرادات، وتنشيط حقيقي لعجلة الإنتاج. أي خطوة غير مدروسة قد تزيد الأعباء على المواطن بدل أن تخففها.
عسكريًا، توحيد التشكيلات تحت مظلة وزارة الدفاع وتفعيل أنظمة رقابية حديثة خطوة أساسية لاستعادة هيبة المؤسسة العسكرية. فالدولة لا يمكن أن تقوم بوجود جيوش متعددة وولاءات متباينة. غير أن عملية الدمج تتطلب معالجة دقيقة للتركيبة الاجتماعية
والسياسية لهذه التشكيلات، حتى لا تتحول إلى صدام جديد.
أما الرهان الأكبر، فهو بناء نموذج ناجح في المناطق المحررة. الخدمات المنتظمة، الرواتب العادلة، الأمن المستقر، والقضاء الفاعل، هذه هي الرسالة الأقوى لأي مشروع وطني. المواطن في أي منطقة سيقارن بين واقعين، وسيختار حيث يجد كرامته ومعيشته الآمنة وهنا سيقرر الشعب با أجتثاث مشروع الحوثي بكل سهوله.
وفي حال تحقق قدر من الاستقرار، تبقى الانتخابات محطة مفصلية تعيد تعريف الشرعية على أساس الأداء لا الشعارات. عندها فقط يمكن القول إن الدولة استعادت طبيعتها، وإن التنافس السياسي أصبح سلميًا لا مسلحًا.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى وعود كبيرة بقدر ما يحتاج إلى خطوات صغيرة ثابتة. الدولة القادمة لن تُبنى بالاندفاع، ولا بالتمنيات، بل بإدارة متوازنة تجمع بين الحزم والإصلاح، وبين الواقعية والطموح. وفي النهاية، ما يريده اليمنيون ليس غلبة طرف على آخر، بل عودة وطن يحتضن الجميع تحت سقف قانون واحد ودولة واحدة.