منبر حر لكل اليمنيين

خطورة الخطاب المناطقي ودور النخب في حماية الدولة الوطنية

أحمد لقمان

أحمد لقمان::

في الدول النامية، لا تُقاس قوة الدولة فقط بمتانة مؤسساتها أو وفرة مواردها، بل بمدى نضج نخبها السياسية والاجتماعية والإدارية، وبقدرتها على تقديم الانتماء الوطني على أي ولاء فرعي. وحين تنحرف هذه النخب عن هذا الدور، تصبح الأزمة أعمق من مجرد خلافات إدارية أو سياسية عابرة، وتتحول إلى خلل في الوعي والاتجاه.

الأصل في تولّي المناصب العامة، خاصة الرفيعة منها، أن يكون تكليفًا لخدمة الوطن بأسره، لا تشريفًا شخصيًا. ويُفترض بشاغل المنصب أن يتقبل مبدأ المحاسبة أو الإعفاء، سواء اتفق مع القرار أو رآه مجحفًا، ما دام ذلك يجري ضمن إطار الدولة والقانون.

غير أن الخطورة تكمن في تحوّل بعض النخب—من سياسيين ووجهاء اجتماعيين وكبار موظفين—إلى تبنّي خطاب بديل يُفسَّر فيه العزل أو الإقصاء باعتباره استهدافًا جغرافيًا أو مناطقيًا، لا قرارًا إداريًا. هنا لا تعود القضية شخصية أو إجرائية، بل تُقدَّم بوصفها “قضية منطقة” أو “ظلمًا جماعيًا”، بما يحمله ذلك من شحن عاطفي وتعبئة خطيرة. وبهذا السلوك تتحول النخب من رافعة للدولة إلى معول هدم لها.

ويكون لهذا النهج أثر مضاعف في الدول النامية على وجه الخصوص، حيث تكون الدولة في طور البناء، والمؤسسات لا تزال هشّة، والهوية الوطنية بحاجة إلى تعزيز لا إلى تشكيك. ومن أبرز هذه الآثار:
1. تآكل مفهوم المواطنة
حين تُربط المناصب والقرارات بالانتماء الجغرافي، تتحول الدولة من كيان جامع إلى ساحة محاصصة، ويُقوَّض مبدأ تكافؤ الفرص، ويتراجع معيار الكفاءة لصالح الانتماء.
2. تعميق الانقسامات الاجتماعية
الخطاب المناطقي الصادر عن النخب أخطر من ذاك الصادر عن العامة، لأنه يمنحه شرعية ويضفي عليه غطاءً سياسيًا أو اجتماعيًا، فيحوّل الاختلاف الطبيعي إلى استقطاب حاد.
3. اتساع الفجوة بين المجتمع والدولة
فبدلاً من تعزيز الثقة بالمؤسسات، تُصوَّر الدولة كأداة إقصاء أو انتقام، ما يضعف الانتماء العام ويغذي النزعات الاحتجاجية غير الرشيدة.
4. الانزلاق نحو مشاريع تفكيكية
حين تتراكم سرديات المظلومية، تظهر دعوات التشطير أو الانفصال بوصفها “حلولًا عادلة”، بينما هي في حقيقتها هروب من الإصلاح ومقدمة لصراعات أطول وأشد كلفة.

ولأن النخب ليست مجرد أفراد، بل نماذج يُحتذى بها، فإن تبريرها لفشلها أو إقصائها بخطاب مناطقي يضاعف خطورة المشهد؛ إذ إنها بذلك:
• تشرعن الانقسام،
• وتمنح العامة مبررًا للتمترس خلف الهويات الضيقة،
• وتُفرغ العمل العام من معناه الوطني.

ومن هنا تبرز مسؤولية النخب الواعية والمثقفة، لا في الصمت أو الحياد، بل في المواجهة الفكرية الواضحة عبر:
• تفكيك خطاب المظلومية الزائفة،
• إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الجامعة،
• ترسيخ أن النقد المشروع ينبغي أن يكون مؤسسيًا لا جغرافيًا،
• والتأكيد أن الإصلاح لا يتحقق بتقويض الدولة، بل بتقويتها.

لذا فإن أخطر ما يواجه الدول النامية ليس الفقر ولا ضعف الموارد، بل تفكك الوعي الوطني لدى نخبها. وحين يتحول الانتماء المناطقي إلى أداة سياسية، تنتقل النخب من دور الحارس للإستقرار إلي دور المهدد لتماسك الدوله
فالدولة لا تُبنى بالمظلومية، ولا تُصان بالتحريض، بل بنخب تدرك أن خدمة الوطن شرفٌ… في المنصب وخارجه.

تعليقات