د. عادل الشجاع
بالرغم من موجة التشاؤم التي رافقت الإعلان عن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة، فإن قراءة متأنية وهادئة للتجربة السياسية تفرض علينا أن نبتعد قليلا عن منطق الحكم على الحكومات من خلال الأسماء فقط، وأن نركز على جوهر الأداء المنتظر منها: البرنامج الوزاري، وطريقة إدارة الفريق، وقدرته على العمل كمنظومة واحدة..
في هذا السياق، تبدو الحكومة برئاسة الدكتور شائع الزنداني جديرة بأن تمنح فرصة حقيقية، لا من باب حسن النية فقط، بل استنادا إلى معطيات موضوعية تفتح باب الأمل أكثر مما تبرر القلق..
من حكومة حصص إلى حكومة فريق
أحد أبرز أسباب فشل الحكومات اليمنية السابقة كان تعاملها ككيانات مجزأة، حيث يعمل كل وزير ضمن جزيرته السياسية أو الحزبية، دون تناغم أو رؤية جامعة وهنا تحديدا تبرز أهمية شخصية رئيس الحكومة، فالزنداني لا ينظر إليه كـ“مدير جلسات” بقدر ما يمكن أن يؤدي دور المايسترو الذي ينسق الإيقاع العام، ويحول التنوع داخل الحكومة من عبء إلى مصدر قوة..
البرنامج أولا… لا الأسماء
من الطبيعي أن تختلف التقييمات حول بعض الوزراء، لكن الفيصل الحقيقي سيبقى برنامج الحكومة والتزاماتها العملية واليمن اليوم بحاجة ماسة إلى حكومة تضع في صدارة أولوياتها:
١.رفع نسبة النمو الاقتصادي عبر سياسات واقعية.
٢.حصر السلاح بيد الدولة بوصفه شرطا لا غنى عنه لقيام دولة حديثة، وإنهاء حالة السيولة الأمنية التي أرهقت المجتمع والدولة معًا.
٣.تحمل الدولة كامل مسؤوليتها عن الأمن والدفاع، وحماية الحدود، بعيدا عن منطق التفويض أو الشراكات الهشة.
٤.إعادة اليمن إلى محيطه العربي والدولي كدولة فاعلة ومسؤولة، لا كساحة أزمات مفتوحة.
هذه التزامات كبرى، لكنها تمثل الحد الأدنى لما ينتظره اليمنيون من أي حكومة تدعي أنها حكومة إنقاذ لا إدارة أزمة.
الخارجية في يد رئيس الحكومة: رسالة سياسية ودبلوماسية
يحمل تولي الدكتور الزنداني رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية معا دلالة سياسية مهمة، فهذا الدمج ليس تفصيلا بروتوكوليا، بل رسالة مفادها أن الدبلوماسية ستكون في قلب المشروع الحكومي، لا على هامشه..
لقد بدأ الزنداني بالفعل مسار إصلاح داخل وزارة الخارجية في فترة سابقة، تمثل في إعادة الاعتبار للمهنية، ومحاولة إنصاف الكادر الدبلوماسي، وفصل العمل المؤسسي عن الاستقطابات الضيقة واستكمال هذا المسار اليوم يمنح اليمن فرصة حقيقية لاستعادة صوته ومكانته في العواصم العربية والدولية، خصوصا في ظل حاجة البلاد الماسة إلى شراكات سياسية واقتصادية داعمة..
الأمل كخيار عقلاني
التشاؤم مفهوم في بلد أنهكته التجارب الفاشلة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى موقف مسبق يُدين أي محاولة قبل أن تبدأ، فالتفاؤل هنا ليس سذاجة، بل خيار عقلاني مشروط بالأداء، فإما أن تنجح هذه الحكومة في كسر النمط السابق، أو تحاسب بوضوح إن أعادت إنتاجه..
من الإنصاف إذن أن نمنح حكومة الزنداني مساحة للعمل، وأن نراقب برنامجها وقراراتها، لا أن نحاكمها على أساس الانطباعات الأولى، فاليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الإحباط، بقدر ما يحتاج إلى فرصة جدية تُدار بعقل الدولة وروح الفريق.