منبر حر لكل اليمنيين

المنصب مغرمٌ لا مغنما: شهادة إنصاف في الشيخ محمد بن عيضة شبيبة

فيصل الشبيبي

فيصل الشبيبي::

تردّدت كثيرًا في الكتابة عن معالي الشيخ محمد بن عيضة شبيبة وهو على رأس وزارة الأوقاف والإرشاد طوال خمس سنوات، حتى لا يُقال إن وراء ذلك مصلحة شخصية، لكن وبما أن الرجل قد غادر موقعه، فقد أصبح من الواجب أن تُقال كلمة حق، وأن يُنصف بوصفه واحدًا من الهامات والقامات اليمنية السامقة، التي تميّزت بالوطنية والعمل الدؤوب والزهد والوفاء لكل أبناء الشعب اليمني وقضيته العادلة.

عرفته عن قرب رجلًا مؤمنًا بقضيته، كبيرًا في تعامله، زاهدًا في منصبه، الذي كان بالنسبة له مغرمًا لا مغنمًا، ومسؤولية ثقيلة لا وسيلة للوجاهة أو المكاسب.
وفي زمنٍ ندر فيه هذا النموذج، قدّم صورة مختلفة للمسؤول الذي يدرك معنى الأمانة.

كان يتابع أعمال الوزارة بنفسه، لا يغيب عن التفاصيل، هاتفه مفتوح على مدار الساعة، يرد على الصغير والكبير، الموظف والمسؤول والمواطن، دون تفريق أو تمييز. وقد رافقته في أحد مواسم الحج، فوجدته حاضرًا في الميدان، يستجيب لكل طلب، ويوجّه بحل كل شكوى، وينزل بنفسه إلى المخيمات والفنادق التي يقيم فيها الحُجّاج، يتابع أوضاعهم، ويحرص على راحتهم، وكأنهم أهله وأبناؤه.

أما على الصعيد الإنساني، فقد كان متابعًا حصيفًا لوسائل التواصل الاجتماعي، لا تمر عليه حالة إنسانية إلا وسعى لمساعدتها بما يستطيع، في صمت ودون منّة. وكان يؤمن أن المسؤولية الحقيقية لا تُقاس بكثرة الظهور، بل بعمق الأثر، وبما يُقدَّم للناس بإخلاص. ولمست ذلك من شهادات كثيرين وقف إلى جانبهم، لا من حديثه عن نفسه، ولولا أن كلمة الحق أمانة، لما كُتبت هذه السطور التي أعلم أنها قد لا تُرضيه.

وعلى المستوى الإداري والمؤسسي، أنجز الشيخ محمد بن عيضة شبيبة الكثير رغم صعوبة المرحلة وقلة الإمكانات. فقد أعاد تأهيل مبنى معهد البيحاني في العاصمة المؤقتة عدن ليكون مقرًا للوزارة، وسعى إلى ترتيب العمل الإداري، وترميم الثقة بين الوزارة والمجتمع، وإعادة الاعتبار لدور الأوقاف باعتبارها مالًا عامًا يجب أن يُدار بشفافية ومسؤولية، إضافةً إلى إعادة مبلغ خمسة عشر مليون ريال سعودي للحُجّاج الموسم قبل الماضي، بسبب التقصير في بعض الخدمات من قبل إحدى الشركات المختصة، وغيرها الكثير من الإنجازات.

تعامل مع ملفات شائكة بعقلية رجل الدولة، لا بعقلية الموظف العابر، وكان حريصًا على تحييد العمل الدعوي والإرشادي عن الصراعات الضيقة، إيمانًا منه بأن رسالة المسجد والخطاب الديني يجب أن تكون جامعة لا مُفرِّقة، وبانية لا هدّامة.

أما علاقته بموظفي الوزارة، فكانت من أبرز محطات تميّزه. تعامل معهم بوصفهم شركاء في المسؤولية لا مجرّد تابعين، يستمع إليهم، ويقدّر ظروفهم، ويسعى إلى إنصافهم قدر استطاعته. لم يكن مكتبه مغلقًا، ولا قراراته بعيدة عن واقع العاملين، بل كان قريبًا منهم، يعرف الكثير بأسمائهم، ويتابع أوضاعهم الوظيفية والمعيشية، ويشجّع المجتهد، ويُقوّم المقصّر بالحكمة والنصح، لا بالإقصاء أو التشهير.

وقد انعكس هذا النهج الإنساني على بيئة العمل داخل الوزارة، حيث سادت روح الاحترام المتبادل، وشعر الموظفون بقيمتهم ودورهم، فزاد مستوى الانضباط والالتزام، رغم شح الموارد وتعقيدات المرحلة. وكان حريصًا على أن تكون الحقوق الوظيفية في صدارة اهتمامه، يتابع المستحقات، ويخاطب الجهات المعنية دون كلل أو ملل.

وعلى المستوى الوطني، كان حريصًا على وحدة الصف بين أبناء الشعب اليمني بالكامل، بعيدًا عن أي انتماء آخر، ومناهضًا للميليشيا وفكرها العنصري الطائفي، مؤمنًا بأن الدولة العادلة هي الضامن الوحيد لكرامة الإنسان وحريته، دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، لا على السلالة أو العصبية أو السلاح الخارج عن إرادة الشعب. وقد كرّس مواقفه للدفاع عن اليمن الجمهوري، ورفض كل أشكال الوصاية والهيمنة، إيمانًا منه بأن مستقبل اليمن لا يُبنى إلا بإرادة أبنائه، وبالحوار والعمل المشترك، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة.

كان متواضعًا في حضوره، ثابتًا في مواقفه، لا تغريه الأضواء ولا تستفزه حملات التشويه. ظل ثابتًا على مبادئه، صادقًا مع قناعاته، لا يساوم على الحق ولا يهادن في قضايا الوطن، جامعًا بين وضوح الموقف ونبل الهدف.

وإن كانت التجربة قد انتهت بخروج الشيخ محمد شبيبة من الوزارة، فإن أثرها باقٍ في نفوس من عرفوه وعملوا معه، وفي ذاكرة موظفين شهدوا صدقه وقربه، ومواطنين لمسوا إنسانيته قبل قراراته. وهذه شهادة تُكتب لا طمعًا في شيء، ولا خوفًا من شيء، وإنما وفاءً للحق، وإنصافًا لرجلٍ فهم المنصب على حقيقته بأنه تكليف لا تشريفا.

تعليقات