منبر حر لكل اليمنيين

من الفوضى الخلّاقة إلى الاحتلال الوظيفي إعادة تفكيك الدولة العربية وصناعة النفوذ الإيراني والتركي

صادق الحكيم

صادق الحكيم::

إن ما جرى في العالم العربي منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة أزمات داخلية أو ثورات شعبية منفصلة، بل كمسار استراتيجي دولي طويل النفس استهدف تفكيك الدولة الوطنية العربية وإعادة هندسة الإقليم خارج منطق السيادة والاستقرار. هذا المسار اتخذ من مشروع الشرق الأوسط الكبير مظلته النظرية، ومن نظرية الفوضى الخلّاقة أداته التنفيذية، فيما جاء ما سُمّي بالربيع العربي كواجهة محلية جرى عبرها إسقاط الأنظمة دون بناء دول، وتفكيك الجيوش دون صياغة بدائل وطنية، وفتح المجال واسعًا أمام قوى إقليمية صاعدة لتملأ الفراغ بوظائف تخدم النظام الدولي لا شعوب المنطقة.
نظرية الفوضى الخلّاقة تقوم على مبدأ أن تدمير البُنى القائمة وخلق حالة اضطراب سياسي وأمني واجتماعي هو شرط مسبق لإعادة تشكيل النظام السياسي وفق مصالح القوى المهيمنة. لا تسعى هذه النظرية إلى الفوضى بوصفها حالة عشوائية، بل كأداة مُدارة تُستخدم لإسقاط الأنظمة دون السماح بولادة دول جديدة قوية، وإبقاء المجتمعات في حالة سيولة دائمة تجعلها قابلة للتوجيه والاحتواء والابتزاز. في هذا الإطار، تصبح الحروب الأهلية، والانقسامات الطائفية، وتفكيك الجيوش، وإضعاف الاقتصاد، وسائل لإنتاج واقع جديد أكثر قابلية للسيطرة وأقل قدرة على المقاومة.
بعد سبتمبر 2001، تغيّر تعريف الخطر في العقل الاستراتيجي الأمريكي والغربي، ولم تعد الدولة العربية تُقاس بقدرتها على خدمة شعوبها، بل بمدى قابليتها للإدارة والسيطرة ومنع تشكّلها كقوة مستقلة. ومن هنا بدأت مرحلة تفكيك الدولة من الداخل، عبر الضغوط السياسية، والحروب بالوكالة، وإعادة تدوير النخب، واستخدام شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان بصورة انتقائية تُفعَّل حين تخدم التفكيك وتُجمَّد حين يهدد تطبيقها الاستقرار.
في اليمن، يتجلى هذا المسار بوضوح. فمنذ ما بعد سبتمبر، دخل البلد في سلسلة حروب داخلية بدأت بحروب الحوثي ضد الدولة تحت عناوين مذهبية وسياسية، جرى التساهل معها إقليميًا ودوليًا باعتبارها نزاعًا داخليًا محدودًا. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الحروب إلى أداة استنزاف ممنهجة للجيش والدولة. ثم جاءت التسوية السياسية بعد 2011 كنموذج للفوضى المُدارة، حيث أُزيح رأس النظام دون إعادة بناء مؤسسات الدولة، وعُطّل الجيش، وفُتح المجال أمام الحوثيين لإسقاط صنعاء دون معركة استراتيجية حاسمة. لم يكن سقوط العاصمة حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل هدفه تحويل اليمن من دولة إلى ساحة نفوذ، ومن عمق عربي إلى منصة ضغط إيرانية على الخليج والملاحة الدولية، وسط صمت دولي يعامل الانقلاب كأمر واقع قابل للإدارة لا كخطر استراتيجي يجب القضاء عليه.
إيران، في هذا السياق، لم تكن لاعبًا عشوائيًا، بل مشروعًا توسعيًا منظمًا يعمل داخل النظام الدولي لا خارجه. استخدمت الجماعات المسلحة والطائفية كأدوات منخفضة الكلفة عالية التأثير، ونجحت في التمدد في العراق ولبنان واليمن، وتحولت في مرحلة معينة إلى شريك وظيفي في إدارة الفوضى، تضبط مستوى الصراع دون الوصول إلى حسم كامل، بما يضمن استنزاف الدول العربية ومنع تعافيها.
غير أن المشهد في سوريا شهد تحولًا نوعيًا. فبعد سنوات من النفوذ الإيراني العميق عسكريًا وأمنيًا، دخلت تركيا بقوة، ليس فقط كلاعب عسكري، بل كقوة سياسية تسعى لإعادة صياغة القرار السوري. ومع الوقت، تراجع الدور الإيراني تدريجيًا لصالح النفوذ التركي، الذي تمدد جغرافيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وصولًا إلى حالة يمكن توصيفها بانتهاء الدور الإيراني في سوريا مقابل صعود الهيمنة التركية على كامل القرار السوري. لم يكن ذلك صدامًا مباشرًا، بل إعادة توزيع أدوار ضمن التفاهمات الدولية، حيث انتقلت وظيفة إدارة سوريا من ذراع إيرانية مُنهِكة إلى نفوذ تركي أكثر قبولًا دوليًا وأقدر على الضبط طويل الأمد.
النموذج ذاته يتكرر في ليبيا ولكن بأدوات مختلفة. فبعد إسقاط الدولة بالقوة العسكرية الخارجية، وتفكيك الجيش، وترك البلاد رهينة للميليشيات، صعد الدور التركي ليهيمن على القرار السياسي والأمني، مستخدمًا الحكومة المعترف بها دوليًا كغطاء شرعي. اغتيال أو تصفية الرموز المحتملة لإعادة توحيد الدولة، وعلى رأسهم سيف الإسلام معمر القذافي، لم يكن حدثًا معزولًا أو انتقامًا سياسيًا، بل جزءًا من استراتيجية منع عودة الدولة الليبية بصيغة وطنية مستقلة. فوجوده كرمز سياسي جامع كان يمثل خطرًا على مشروع الفوضى الدائمة، ولذلك جرى استبعاده جسديًا بدل مواجهته سياسيًا أو قضائيًا.
لبنان يمثل نموذج الدولة المختطفة منذ عقود، حيث جرى تفكيك مؤسساتها وتحويلها إلى كيان مشلول يُدار أزماته عبر ميليشيات وأطراف خارج الدولة. وكما يقول المثل السياسي الشهير: قوة لبنان في ضعفه، فقد أُحكمت السيطرة على القرار السياسي من خلال ذراع إيرانية مسلحة عطلت الدولة وأفرغت السياسة من مضمونها، بينما تنهار مؤسسات الدولة اقتصاديًا وماليًا واجتماعيًا. الأزمة اللبنانية ليست فشلًا إداريًا فقط، بل نتيجة مباشرة لتحويل البلد إلى منصة إقليمية تُدار فيها الصراعات بالوكالة ويُمنع فيها أي مسار تعافٍ حقيقي طالما أن الفوضى تؤدي وظيفة استراتيجية.
السودان دخل مرحلة تفكيك الدولة عبر صراعات داخلية وتدخلات خارجية وصناعة نخب متصارعة انتهت بحرب شاملة تستنزف الجيش والمجتمع وتمنع أي مشروع وطني جامع. العراق لا يزال أسير نفوذ متعدد، واليمن ساحة صراع مفتوحة، وليبيا دولة بلا مركز، وسوريا انتقلت من نفوذ إيراني إلى هيمنة تركية.
ولا يمكن فهم هذا المسار دون التوقف عند دور قطر ومنتدى المستقبل 2006 وقناة الجزيرة وأكاديميات التغيير التي روّجت لثورات العقول وأسلحة اللاعنف وقدمت الإسلام السياسي وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين كبديل جاهز للأنظمة الجمهورية العربية فكان الربيع العربي في جوهره محاولة لتمكين الإخوان من السيطرة على الدولة تحت غطاء ثوري ديمقراطي وهو ما فشل في بعض الدول ونجح مرحليًا في دول أخرى قبل أن يتحول إلى فوضى شاملة.
النظرية السياسية الجديدة التي تفرض نفسها اليوم هي أن ما جرى لم يكن أخطاء متراكمة بل مسارًا مقصودًا لإعادة تشكيل الإقليم عبر تفكيك الجمهوريات العربية أولًا ثم الانتقال لاحقًا إلى استهداف دول الخليج العربي ليس عبر الانقلابات المباشرة بل عبر أدوات ناعمة تفكك العقد الاجتماعي وتضرب الثقة بين الدولة والمجتمع وتعيد تعريف مفاهيم السيادة والأمن والهوية بحيث تصبح الدولة قوية شكليًا لكنها منزوعة الإرادة استراتيجيًا.
الدور الإيراني كان أداة تفجير والدور التركي بات أداة إدارة بينما تبقى القوى الكبرى هي المستفيد النهائي من إقليم بلا دول قوية وبلا مشروع عربي جامع. اغتيالات الرموز السياسية مثل سيف الإسلام القذافي تعكس نمطًا قد يتكرر في لبنان واليمن والعراق وسوريا والسودان وقد يمتد مستقبلًا إلى دول الخليج العربي لا سيما السعودية لضمان استمرار الفوضى المُدارة ومنع أي دولة من استعادة سيادتها بالكامل.
الاستقرار ليس جريمة
الدولة ليست خطأ
والسيادة ليست تهمه .

تعليقات