منبر حر لكل اليمنيين

هندسة الدولة من بوابة الإيرادات مقاربة اقتصادية-سياسية لتفكيك اقتصاد الحرب في اليمن

نايف حمود العزي

نايف حمود العزي:
مدخل: لماذا تبدأ الدولة من الإيرادات؟
في تجارب الدول الخارجة من النزاعات، نادرًا ما يبدأ تشكيل الدولة من تسوية سياسية مكتملة، وغالبًا ما يبدأ من ضبط مورد سيادي يفرض منطقًا جديدًا للإدارة والانضباط.
في اليمن، لا تكمن الأزمة في غياب الموارد، بل في تفكك دورة الإيرادات وتحولها من أداة سيادية إلى شبكة جبايات متنافسة.
لم يعد السؤال المركزي: من يحكم؟
بل أصبح: من يجبي؟ وكيف؟ ولصالح من؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ترسم حدود السلطة الفعلية، وتحدد شكل الدولة الممكنة.
تنطلق هذه المقاربة من افتراض حاسم في الاقتصاد السياسي للصراع: أن الحرب لا تستمر بفعل السلاح وحده، بل بفعل قدرتها على تمويل ذاتها، وأن السيطرة على الموارد ليست نتيجة للصراع فحسب، بل هي أحد محركاته الأساسية. وعليه، فإن تفكيك بنية الإيرادات التي تُغذّي العسكرة لا يُعد إجراءً تقنيًا محايدًا، بل تدخلًا مباشرًا في معادلة السلطة، يهدف إلى إضعاف قابلية اقتصاد الحرب على الاستمرار حتى في غياب تسوية سياسية شاملة.
أولًا: الإيرادات كمرآة لبنية السلطة
الإيرادات ليست مجرد أرقام مالية، بل تعكس طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفي اليمن تكشف خريطة الإيرادات عن ثلاث حقائق بنيوية:
1.تعدد مراكز الجباية:
الضرائب، الجمارك، الرسوم، والزكاة لم تعد أدوات مالية موحدة، بل مصادر قوة منفصلة، تُدار وفق منطق السيطرة لا وفق منطق الموازنة العامة.
2.انفصال التحصيل عن الإنفاق:
في معظم مناطق البلاد، لا توجد علاقة مباشرة بين ما يُجبى وما يُنفق على الخدمات، ما يُفقد الإيرادات وظيفتها التنموية، ويحوّلها إلى مورد تمويلي للصراع أو للإدارة الدنيا فقط.
3.تسييس الجباية لا مأسستها:
تُستخدم أدوات التحصيل كوسائل ضغط، أو كآليات مكافأة وعقاب، لا كجزء من نظام مالي قابل للتنبؤ.
بهذا المعنى، فإن اقتصاد الحرب في اليمن يبدأ من الإيرادات، ويُعاد إنتاجه عبرها.
ثانيًا: كيف يعمل اقتصاد الحرب إيراديًا؟
اقتصاد الحرب لا يقوم على الانهيار الكامل بل على استقرار مشوّه يحافظ على حد أدنى من التدفق المالي الذي:
•يمول بقاء السلطات المتنافسة.
•يعيد توزيع الريع لدعم الولاءات السياسية والعسكرية.
•يقوض الدولة بإفراغ أدواتها المالية من مضمونها الفعلي.
   وبحسب بيانات البنك المركزي اليمني (2024)، يشكّل النفط والغاز نحو 60% من الإيرادات الحكومية، بينما لا تتجاوز معدلات التحصيل الرسمية 40% بسبب الانقسام، في حين يستمر الاقتصاد الموازي في امتصاص الجزء الأكبر من التدفقات النقدية (World Bank, 2025).
   في هذا السياق، لا يعكس سعر الصرف أداء الاقتصاد الحقيقي، بل يعكس قدرة الفاعلين على التحكم المؤقت بتدفقات النقد، ما يفسر تذبذبه الحاد حتى دون صدمات كبرى.
وهنا تتجلى المفارقة الخطيرة:
كلما تحسّنت كفاءة الجباية خارج إطار الدولة، تراجعت فرص استعادتها.
ثالثًا: لماذا تُعد الإيرادات مدخلًا عمليًا لهندسة الدولة؟
«هندسة الدولة» هنا لا تعني إعادة رسم النظام السياسي، بل إعادة تصميم الوظيفة الاقتصادية للسلطة.
والإيرادات هي المدخل الأكثر واقعية وذلك لثلاثة أسباب:
1.قابليتها للقياس:
على عكس الشعارات السياسية، يمكن قياس التحصيل، ومراقبة مساراته، وربطه بالإنفاق.
2.تأثيرها المباشر على الاقتصاد الكلي:
أي اختلال في الجباية ينعكس فورًا على سعر الصرف، والتضخم، والقوة الشرائية.
3.ارتباطها اليومي بالمواطن:
المواطن لا يختبر الدولة عبر الدستور، بل عبر الضرائب، والجمارك، والخدمات.
رابعًا: حدود المقاربة (إدارة الصدام اقتصادياً)
لا تنطلق هذه المقاربة من افتراض وجود بيئة محايدة، بل تعتبر “تغول الجباية” وقوداً للصراع. وتعتمد “الهندسة الإيرادية” هنا على:
* رفع كلفة العسكرة: تحويل السيطرة العسكرية من مورد “ربحي” إلى عبء “إداري” عبر تقليص الجدوى الاقتصادية للجباية غير المنظمة.
* إعادة تشكيل موازين القوة: فك الارتباط البنيوي بين السلاح والتمويل الذاتي، مما يجبر القوى المسلحة على مواجهة ضغوط اجتماعية متزايدة مع تراجع قدرتها على تقديم الخدمات.
* الاستنزاف التدريجي: حتى لو استجابت القوى المسلحة بـ “توحش جبائي” كحل مؤقت، فإن ذلك يسرّع من تآكل قاعدتها الشعبية وشرعيتها، ويجعل استمرارها على المدى المتوسط غير مستدام.
خامسًا: ما الذي تعنيه إعادة تنظيم الإيرادات عمليًا؟
إعادة تنظيم الإيرادات لا تعني توحيدها الفوري، ولا نقلها إلى مركز واحد، بل تعني:
•توحيد معايير تحصيل الإيرادات عبر جهات متعددة.
•فصل الجباية عن التمويل السياسي عبر ربط جزء من الإيرادات بخدمات واضحة وقابلة للمتابعة.
•تقليل الاقتصاد النقدي غير المنظم، الذي يمثل نحو 55% من التعاملات النقدية في البلاد (IMF Yemen Report, 2025).
•اعتماد الشفافية كأداة للضبط وليس مجرد شعار، عبر نشر تقارير مالية فصلية مراقبة.
هذه الإجراءات لا تُنهي الانقسام، لكنها تغيّر سلوكه الاقتصادي.
ويمكن ملاحظة أثر هذا النهج في تجارب ضبط الجمارك في موانئ خارجة من النزاع، حيث أدى توحيد معايير التحصيل وربط جزء من الإيرادات بالخدمات المحلية إلى تقليص الجبايات غير الرسمية، وتحسين الامتثال الضريبي، في حين تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن ضعف ضبط الجمارك في السياقات المنقسمة يؤدي إلى فقدان ما بين 30% إلى 40% من الإيرادات الجمركية المحتملة.
سادسًا: الأثر السياسي غير المباشر لضبط الإيرادات
عندما تُضبط الإيرادات، تحدث ثلاثة تحولات صامتة لكنها عميقة:
1.تراجع هامش المناورة للفاعلين المسلحين الذين يعتمدون على الجباية العشوائية.
2.تعاظم دور الإدارة المدنية بوصفها وسيطًا لا غنى عنه.
3.إعادة تعريف الشرعية من كونها اعترافًا سياسيًا إلى كونها قدرة على الإدارة.
بهذا المعنى، فإن ضبط الإيرادات لا يسبق السياسة فقط، بل يعيد تشكيل شروطها.
خاتمة:
الدولة في اليمن لن تُولد من تسوية سياسية، بل من اقتصاد منضبط تُستعاد فيه وظيفة الإيرادات العامة، ويُربط التحصيل بالخدمة، ويُخضع الإنفاق للمساءلة.
اقتصاد الحرب قد لا ينتهي دفعة واحدة، لكنه يفقد جوهره حين تُسحب منه الجباية غير المنضبطة بوصفها مصدرًا للسلطة.
ومن هنا، تبدأ الدولة كأثر اقتصادي فعلي، لا كوعد سياسي، حين تصبح القدرة على الإدارة شرط الشرعية الأول.
مصادر اعتمد عليها الباحث:
•البنك الدولي، تقرير التنمية الاقتصادية في اليمن، 2025.
* صندوق النقد الدولي، Yemen: Selected Issues Paper، 2025.
•البنك المركزي اليمني، بيانات الإيرادات والنفقات، 2024.
•تقارير الأمم المتحدة حول الاقتصاد الموازي في اليمن، 2023.
* باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية
تعليقات