منبر حر لكل اليمنيين

مساعي إنقاذ الدولة في اليمن وضمانات إنجاحها

د. إبراهيم الأهدل

د. إبراهيم الأهدل::

لم تكن أزمة اليمن في جوهرها، أزمة نقص في المبادرات أو شُحّ في المقترحات السياسية، بقدر ما كانت – ولا تزال – أزمة تنفيذ وضمانات. فالتجربة اليمنية خلال العقود الماضية، ولا سيما خلال سنوات الحرب، أثبتت أنَّ أخطر ما يواجه الدولة ليس غياب الحلول في حدّ ذاتها، بل تحوّل هذه الحلول إلى مدخل لإعادة إنتاج الفشل، حين تُدار كتسويات هشّة، أو تُترك بلا أطر مُلزمة، أو تُختطف من قبل مراكز القوة خارج إطار الدولة.

لقد تجلّت الحلول المطروحة خلال المرحلة الراهنة في حزمة إجراءات سياسية، تضمنت إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه عقب خطئه الاستراتيجي المتمثل في اجتياحه محافظتي حضرموت والمهرة، وإعفاء عدد من القيادات العسكرية المساندة له في ذلك، والشروع في حوار جنوبي–جنوبي، ينعقد حالياً في الرياض، عاصمة القرار العربي، بسقف مفتوح ودون إقصاء، بوصفه مدخلًا ضروريًا لإعادة ترتيب البيت الجنوبي ضمن إطار وطني جامع. كما شملت الحلول إعادة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عبر إضافة شخصيتين بديلتين إليه هما اللواء محمود الصبيحي والأستاذ سالم الحنبشي بدلًا عن الزبيدي والبحسني، وإقالة حكومة بن بريك وتشكيل حكومة جديدة برئاسة الدكتور شائع الزنداني، وذلك كله بغية تعزيز التوازن السياسي والرمزية الوطنية وإعادة الثقة بمؤسسة السلطة التنفيذية.

وعليه وانطلاقًا من تلك المساعي السياسية المفترضة لحلحلة الأزمة اليمنية، فإن السؤال الحاسم اليوم لم يعد: ما هو الحل؟ بل: كيف نمنع انهياره قبل أن يبدأ؟ وكيف نضمن ألّا يتحول الانتقال السياسي إلى حلقة جديدة في سلسلة الإخفاق الوطني؟

أول هذه الضمانات يتمثل في التحصين الدستوري والقانوني للمرحلة الانتقالية. فغياب الأطر المحددة زمنياً وصلاحياتياً كان دائمًا بوابة للتمدد غير المشروع وتفريغ المؤسسات من مضمونها. إن أي تفويض سياسي يجب أن يكون مكتوبًا، واضحًا، ومحدّدًا بسقف زمني، مع تفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب بوصفه ممثلًا للإرادة الشعبية، لا مجرد غطاء شكلي للسلطة. فالدولة لا تُبنى بالنيات، بل بالقواعد الملزمة التي تمنع تغوّل الأفراد والجماعات وانحرافها عن مقاصد المرحلة.

أما الضمان الثاني، وهو الأكثر حساسية، فيتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية. فلا معنى لأي انتقال سياسي في ظل سلاح منقسم وولاءات متعددة. فقد أثبتت التجربة اليمنية أن ازدواج القوة يعني ازدواج القرار، وأن الدولة لا يمكن أن تستعيد هيبتها ما دام السلاح خارج إطارها. ولا يعني ذلك حلولًا ميدانية متعجلة أو صدامات عبثية، بل مسارًا تدريجيًا واضح المعالم يقوم على فصل السلاح عن السياسة، وإنهاء البنى الفصائلية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية تخضع للسلطة المدنية لا للتوازنات المناطقية أو الحسابات الخارجية.

ويتمثل الضمان الثالث في تشكيل حكومة كفاءات وطنية حقيقية، تضم شخصيات مشهودًا لها بالكفاءة والنزاهة والخبرة، قادرة على إدارة الموارد، واستعادة الخدمات الأساسية، ووقف نزيف الفساد، بما يعيد ثقة المواطن بالدولة ويمنح العملية السياسية سندًا شعبيًا فعليًا. فالدولة لا تُستعاد بالشعارات، بل بحكومة تمسك بدفّة البلاد نحو الخلاص، وتعمل وفق برنامج واضح وتبذل كل ما في وسعها لتحقيق أهدافها دون انحراف، وتخضع للمساءلة البرلمانية والرقابة المؤسسية.

ويبرز الضمان الرابع في إعادة تعريف دور التحالف العربي في المرحلة المقبلة. فمع الإقرار بكونه فاعلًا مؤثرًا في المشهد اليمني، فإن استمرار دوره بوصفه مديرًا للأزمة أو موزّعًا لتوازنات النفوذ لن يقود إلى استقرار دائم. إن المرحلة الراهنة تقتضي انتقال هذا الدور إلى رعاية فعلية لمسار بناء الدولة، بما ينسجم مع منطق السيادة ووحدة القرار. فدعم الأشخاص أو الكيانات بمعزل عن المؤسسات لم يفضِ إلا إلى تعميق الانقسام، بينما المطلوب اليوم دعم مسار يوحّد القرار السياسي والعسكري ويمنع تحوّل اليمن إلى ساحة مفتوحة لتعدد السلطات وتنازع المرجعيات. ومعلوم أن للمملكة العربية السعودية، باعتبارها قائدة التحالف، من النفوذ والأوراق الضاغطة ما يكفي لتوجيه دفّة الأمور في اليمن وصولًا بها إلى برّ الأمان والاستقرار.

أما الضمان الخامس فيتمثل في المعالجة العادلة والمسؤولة للقضية الجنوبية -مع عدم إغفال خصوصية كل من القضية الحضرمية والمظلومية التهامية- بوصفها ركنًا تأسيسيًا في أي مشروع وطني جامع. فالقضية الجنوبية ليست ملفًا مؤجّلًا، ولا ورقة تفاوضية ظرفية، بل أحد مفاتيح استقرار الدولة ووحدة كيانها السياسي. ولا يعني ذلك أن يتم التعجيل بحسم شكل الدولة أو فرض صيغة مسبقة للوحدة، بل المطلوب هو ضمان إدارة عادلة ومسؤولة للقضية خلال المرحلة الانتقالية، إلى أن تتوفر شروط الحسم الديمقراطي في ظل دولة مستقرة ومؤسسات فاعلة.

إن التعامل مع هذه القضايا كشعارات أو أدوات ضغط لن يؤدي إلا إلى تعقيدها، كما أن حسمها خارج إطار الدولة، وفي ظل حرب وانقسام، لن ينتج عدالة ولا استقرارًا. والمعالجة الواقعية تقتضي نقلها من منطق الصراع إلى منطق الدولة، عبر شراكة حقيقية وضمانات سياسية واقتصادية، وحسم نهائي يتم عبر مؤسسات منتخبة وإرادة شعبية، في إطار صيغة دستورية متوافق عليها.

وعليه، فالواقع في الوضع الراهن يفرض تأجيل إعادة صياغة الوحدة الوطنية إلى ما بعد استعادة كامل التراب الوطني وبسط السيادة عليه واستقرار الدولة سياسيًا وأمنيًا، بحيث يمكن حينها إعادة النظر في شكل الوحدة بما يعالج الاختلالات التاريخية ويحقق العدالة السياسية، عبر خيارات متعددة، من بينها الحفاظ على نظام وحدوي اندماجي برئاسة جنوبية خلال فترة انتقالية يعقبها الاحتكام إلى الصندوق، أو الانتقال إلى نموذج فيدرالي متعدد الأقاليم وفق مسودة مخرجات الحوار الوطني، أو منح المحافظات حكمًا محليًا واسع الصلاحيات في إطار الدولة الموحدة.

إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس الانهيار المفاجئ، بل التآكل البطيء للدولة تحت عناوين الحلول والمرحلة الانتقالية. فكم من تسوية رُفعت بوصفها مخرجًا، فإذا بها تتحول إلى قيد جديد، وكم من انتقال أُعلن كأمل، فإذا به يصبح حالة دائمة تُدار بلا أفق. ولهذا، فإن منع إعادة إنتاج الفشل يقتضي كسر حلقة الشخصنة، وتحجيم منطق المحاصصة، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها كيانًا فوق الأفراد والجماعات.

ختامًا، لا يزال اليمن يقف على حافة خيارين: إما التمسك بالدولة، رغم هشاشتها وكلفة إصلاحها، أو الانزلاق إلى مسارات مفتوحة لا سقف لها ولا نهاية. إن الضمان الحقيقي لأي حل لا يكمن في براعة النصوص وحدها، بل في الإرادة السياسية للالتزام بها، وفي وعي النخب بأن الدولة، بكل عيوبها، تظل الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمع من الفوضى. وما لم يتحول هذا الوعي إلى ممارسة، ستظل الحلول تُولد ضعيفة، وتموت قبل أن نرى اليمن الذي يستحقه أبناؤه.

تعليقات