منبر حر لكل اليمنيين

البيض وجمرة الحق

أحمد الشرعبي

أحمد الشرعبي::

إلى الله الرحمن الرحيم غادر دنيا الفناء المناضل العتيد الاستاذ على سالم البيض ملتحقاً بشريكه في إعادة تحقيق أجل المنجزات الشهيد الرئيس على عبدالله صالح، كلا المناضلين أحببنا ومع كليهما اختلفنا وإن تفاوتت الأسباب باختلاف الظروف والأحوال.
واليوم وفي أحداق كل منا دمعة وداع، نتحدث عن المناضل الكبير بصدق من لا يدفع ضرراً ولا يرتجى مثوبة غير المودة في الوطن الواحد، ثم أننا في المقام الآخر، نودع في الأستاذ على سالم البيض أحد الاطواد الذين تكاد البلاد تخلو منهم في شجاعته وجرأته وصدقه.

كان البيض رجل قرار شاء الناس أم أبوا رضي الحزب أم كره، ولم يتردد عن دفع الثمن أو تقاضيه حلوًا کان أم مرا من غير تحسر ولا خبل.
تنبهر به حين يأخذ على عاتقه مسؤولية قرار الارتباط العائلي خلافا لتوجهات الحزب فتجمد عضويته في اللجنة المركزية لكنه يمضي في خياره منتصرا لحريته الشخصية خلافا على قواعد الحزب وفرماناته.

عرفته قبل منجز الوحدة وتأثرت بنزقه الجميل وكنت يومئذ في مقبل الشباب ضمن كوكبة من قيادات اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين وراقتني لباقته وحماسته للوحدة اليمنية ويقينه الثوري ورهانه الوطني على إعادة تحقيقها رغم أنف من كان يطلق عليهم قوى التخلف والرجعية.

كل من عرف الرجل ورافق مسيرته النضالية يحفظ له مزايا عديدة وسمت حياته بالنبل وفطرت تجربته بالاندفاع والنقاء وعدم الاكتراث بنتائج اتخاذ القرار.
واجه الاستعمار البريطاني وحمل الفكر والسلاح مقتحما ميادين البطولة والفداء ولم يتخلف يوماً عن أداء الواجب الوطني المقدس على طريق التحرر والوحدة.

تحضرني ذكري اثيرة مع الفقيد غداة بدأت نسائم التلاحم تقترب من ضحوات المني وقررت السلطات الموافقة على تنقل المواطنين بالبطاقة الشخصية يومها توسطت بالأستاذين الجليلين يحيى العرشي وزير الدولة لشؤون الوحدة وصادق امين ابوراس امين الاتحاد العام للمجالس المحلية رئيس تحرير صحيفة المجالس للحصول على اذن بزيارة عدن واعداد ملف صحفي شامل عن الأوضاع السائدة والتوجهات الوحدوية المزمعة، ومن حسن الحظ وافقت سلطات صنعاء.

وفي عدن استضافني الأستاذ الكبير الفقيد عمر الجاوي في استراحة اتحاد الأدباء وعملت جهدي من أجل الوصول إلى الرجل الأول في المبنى الأبيض المهيب للجنة المركزية مستعينا بالأستاذين الكبيرين أمين اتحاد الأدباء والأستاذ سعيد الجناحي رئيس تحرير صحيفة الأمل رحمه الله.
وحين لم اجد الاستجابة التي كنت اتوقعها خاصة وان كثير من قيادات الحزب في عدن تعتبرني في عداد المحسوبين على اليسار وبدر مني تعبيرات متهكمة متذمرة داخل ملتقيات اتحاد الادباء، وفجأة إذا بالرجل الأول في قيادة الدولة والحزب الأستاذ علي سالم البيض يباغتني بزيارة كريمة الى مقر الاتحاد – حيث إقامتي – ويشرفني بإجراء حوار مطول نشرته الصحيفة لعددها الخاص الصادر بتاريخ ٢٦ سبتمبر أيلول ١٩٨٨م.

کان حديث البيض مفعم بالحماس للوحدة مستنهضا قوى الشعب الوطنية في محافظات شمال الوطن للعمل من أجل تحقيقها والحفاظ عليها.
تحدث إلي بعمق وصدق وبضمير مخلص لا يراوغ في التعبير عن قناعته ولا في العمل من أجل وطنه الكبير وشعبه العظيم.
سيقال ولكنه اتخذ قرار فك الارتباط وقد حدث ذلك فعلاً.
ولكن هذا ليس مسؤوليته وحده.. نحن جميعا أبناء الوطن على اختلاف المذاهب والمشارب والنحل شركاء في دفع البيض الى هذا المأزق من جهة إذ نحن من شجع وحرض على هذا القرار الذي ندينه وندين له في وقت معا اذ لولا اعلان فك الارتباط ما انتصر تيار الوحدة.

ولو كان البيض خاض الحرب تحت رايتها ما توقف نهر الدم ولا كان بإمكان الرئيس الشهيد حسم المعركة لصالح خيار الوحدة.
ولولا تدخل بعض القوى الإقليمية المشجعة على تمزيق اليمن لما اختطف الحزب وسلمت قيادة المواجهة في تلك المرحلة لخصومه.

ولولا تيار الفتنة المناوئ للوحدة مذ يومها الأول ما كانت الأحوال لتبلغ مرحلة التأزم والاقتتال بين رفاق الدرب العظيم لأهم منجز واقدس واشرف واسمى هدف توج بتحقيقها وإعلان دولتها ورفع علمها وإذاعة نشيدها وقيام دولتها في 22 مايو 1990.

تعددت الأسباب بتعدد اطراف الصراع وتعدد مراكز التأثير الدولي والإقليمي فلماذا المناضل الواضح هو فقط من يتحمل المسؤولية !
ها نحن امام تكالب آخر وحروب اشد ضراوة ومؤامرات علنية بلغت حد المساس بالسيادة ورفع دويلات صغيرة اعلامها فوق سجادة اليمن وفناراتها فأين منا اسود اليمن ومغاويرها.
اليوم ونحن نودع الرجل الكبير الرجل الصادق المخلص فإننا لا نملك غير الأسى والحزن .
لقد كان صمته و عدم انخراطه في المؤامرات المحاكة ضد الوحدة ابلغ تعبير يعكس جذور قناعاته وعمق ايمانه بنهج الوحدة وضرورة ارتباطها بالعدالة والمساواة وحقوق الانسان.

رحم الله الأستاذ المناضل الوحدوي النبيل الأستاذ على سالم البيض والعزاء لأنجاله والمواساة لرفاقه على درب الوحدة والنضال في سبيل الحفاظ عليها وتصويب الأخطاء والخطايا التي رافقتها وتلك طبيعة التحولات الكبرى في حياة الشعوب كما هي سمة الوطنيين الثابتين على مبادئهم والقابضين على جمرة الحق في مواجهة فئران الانابيب.

تعليقات