مجلس السلام أم مجلس للحرب؟ مأزق الخليج في ظل سياسات ترامب والصراع الإقليمي
د. عادل الشجاع
د. عادل الشجاع::
في خضم التصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، عاد اسم ترامب إلى واجهة الجدل السياسي بعد طرحه فكرة إنشاء مجلس للسلام بهدف إنهاء الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة. الفكرة في ظاهرها تبدو مبادرة دبلوماسية تهدف إلى احتواء النزاعات، غير أن التطورات اللاحقة كشفت تناقضا عميقا بين الخطاب والممارسة. فبدلا من أن يتجه المسار نحو التهدئة، تصاعدت التوترات الإقليمية، خصوصاً مع اتخاذ قرار بالمواجهة العسكرية مع إيران، الأمر الذي أدخل المنطقة في مرحلة أكثر تعقيدا وخطورة!.
هذا التناقض يطرح سؤالا مركزيا: هل كان الهدف الحقيقي من مجلس السلام احتواء النزاعات، أم إعادة ترتيب ميزان القوى في المنطقة بما يخدم أولويات استراتيجية محددة؟.
الخليج بين التحالف والارتهان
على مدى عقود، بنت دول الخليج العربية شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية تقوم على معادلة واضحة: الأمن مقابل الشراكة الاقتصادية والسياسية. وقد تجسد ذلك في استثمارات ضخمة وصفقات تسليح بمئات المليارات، إضافة إلى السماح بإنشاء قواعد عسكرية أمريكية في عدة دول خليجية..
من منظور تلك الدول، كان الهدف من هذه العلاقة ضمان مظلة حماية في منطقة تتسم بتوازنات حساسة، خاصة في ظل التوتر التاريخي مع إيران لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالطريقة التي تصورها صناع القرار في الخليج..
فقرار التصعيد العسكري ضد إيران لم يكن – وفق كثير من التحليلات – نتاج مشاورات حقيقية مع الحلفاء الخليجيين، بل قرارا استراتيجيا اتخذ في واشنطن وفق حسابات أوسع تتعلق بأمن إسرائيل وإعادة رسم موازين القوى الإقليمية..
أمن إسرائيل كأولوية استراتيجية
لطالما كانت العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل حجر الزاوية في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد تعزز هذا الارتباط خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل التقارب السياسي بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيليلي بنيامين نتنياهو..
في هذا السياق، تجد دول الخليج نفسها في موقع معقد: فهي من جهة حليف للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى تقع جغرافيا في قلب الصراع، ما يجعل أراضيها وبناها التحتية عرضة للردود الإيرانية المحتملة..
المفارقة الكبرى: تمويل الخطر
المفارقة التي يسلط عليها العديد من المحللين الضوء هي أن دول الخليج ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في بناء المنظومة العسكرية الأمريكية في المنطقة، فالقواعد العسكرية، وصفقات السلاح الضخمة، والإنفاق الدفاعي الهائل، كلها ساهمت في ترسيخ الوجود العسكري الأمريكي، لكن هذا الوجود، الذي كان يُفترض أن يكون عامل استقرار، قد يتحول في لحظة التصعيد إلى مصدر خطر مباشر..
لحظة إعادة التفكير
ما يحدث اليوم قد يشكل لحظة مفصلية في العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج. فالمعادلة التقليدية التي حكمت العلاقة لعقود باتت موضع اختبار حقيقي..
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو من سيربح المواجهة في الشرق الأوسط، بل ما إذا كانت المنطقة – بكل دولها – قادرة على تجنب الانزلاق إلى صراع أوسع قد يغير شكل النظام الإقليمي لعقود طويلة..