عادل الأحمدي::
حاول أن تتوقف عند الآيات الناظمة لرسالة التوحيد والتي تبيّن أن محمدا بن عبدالله عليه الصلاة والسلام لم يبعث إلى قوم ينكرون أن الله خالق السماوات والأرض وبالتالي لم يجهد نفسه في إثبات هذه الحقيقة التي يعترف بها أولئك، ولكن لب الرسالة هو أن الله واحد أحد صمد لا شريك له ولا وسيط إليه ولا شفيع عنده إلا بإذنه ولا رازق غيره ولا نافع ولا ضار سواه.
إنها رسالة الحرية لكي لا يستعبِد أناسٌ أناساً بذريعة أنهم يقربونهم إلى الله زُلفى.
لقد كانت رسالة توحيد لمشركين يعظمون الأصنام ويعتقدون فيها الضر والنفع.
رسالة تصرِفُ اللجوءَ إلى الله وحده والاستعانة به لا سواه، وتجعل الناس سواسية في التكليف ومتساوين في المساءلة، حيث لا يُغني مولى عن مولى شيئا.
رسالة تؤدي إلى تقوية الإنسان الفرد حيث لا سيد عليه إلا الله سبحانه ولا مرجوَّ إلا الله وإلا معبود بحقٍّ سواه.
كما أنها رسالة تؤدي لتقوية المجتمع فلا تجعل لدجال عليه سلطة، وبذلك تصان أرواحه وأمواله.
اقرأ القرآن من أوّله إلى آخره وتنقّل بين بديع براهينه وعظيم حججه الدامغة على أن من يتخذونهم شركاء لله هم بشر مثلهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا ولا حياة ولا مماتا ولا نشورا.
تمعّن في آيات الله لتدرك كيف أن الشركاء يوم القيامة يتبرأون من الذين أشركوا ويردّون عليهم اللائمة.
لاحظ كيف أن الله عز وجل أكد في كتابه الكريم أن كل ذنب مغفور بإذنه إلا الشرك، وأنه سبحانه لم يستثن حتى نبيه الكريم من هذا التحذير، بل قال له: “لئن أشركتَ ليَحبَطنّ عملُك”.
تدبّر كل ذلك، ثم تجولْ ببصرك في مظاهر الشرك القائمة اليوم بدعاوى الآل والقرابة والعترة.. أليست ذاتها ما حذّر القرآن منها ونزلت الرسالة لدحضها وإنكارها قبل أن يأتي يومٌ لا أنساب بينهم؟
الشرك مراتب وحاليا نشهد أكثرها وضوحا وعصيانا.. ذهبت أصنام الأحجار وجاء أصنام الرجال. علما أن الأصنام الأولى كانت في البداية رجالا، ك”ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر”.. أناس ظن الناس فيهم الضر والنفع والمحسوبية، فلما ماتوا نحت الناس لهم أصناما. “ما قدروا الله حقّ قدره”.
الشرك سلوك اعتقادي، والوثنية تجسيد مادي للشرك.. إنها تعليب له. قد تتمثل في صنم أو قبّة أو قبضة من تراب.
والله إنّ من زكت عقيدته وأيقن أن النفع والضر بيد الله وحده، وأن الله يسمع دعاءه دون وسيط، وأن لا مخلوق له حظوة في السماء بسبب قرابة من نبي أو كهانة في صومعة.. إن من يوقن بوحدانية الله يصبح قويا معافى حرا مستنيرا ممسكا بتلابيب العافية وقوانين الحياة.
في المقابل: كلُّ من تسحبه حبائلُ الشرك يكون أعمى هزيلا ذليلا فقيرا فاقد البصيرة مسلوب التوفيق.
أعِد قراءة كتاب الله وفقا لهذا المفهوم التوحيدي الخالص، وتأمّل كلَّ الربوع الموحِّدة التي آمنت بالله وحده وأسلمت لله وحده ولا تنتشر فيها خزعبلات الشرك ولا يستعبِد فيها مخلوقٌ مخلوقاً مثله، وليس للدجل فيها حظوة ولا خطوة.. ستراها نقية الهواء مشرقة التضاريس آمنة مطمئنة. عكس الربوع المنكوبة بآفة الشرك تشعر أن فيها سقما ووباء.. يمزقها الفقر والجهل والخوف والتعاسة وتنتقل من هوان إلى هوان.
ولعل المشهد يكون أكثر قتامة حينما يصبح للشرك سطوة وسلطة وأموال وسلاح وسجون ومنابر، كما هو الحال في أجزاء من بلادنا.
معركتنا هي معركة الأنبياء جميعا، معركة التوحيد الأولى في وجه شرك استجمع قواه ليستعبد الناس باسم الإسلام وقرابة نبي الإسلام، ويمتصهم كالبعوض ويفسد دينهم ودنياهم ثم يتبرأ منهم لاحقاً في قعر الجحيم.
طوبى للربوع الموحِّدة، وطوبى للقلوب الواعية المتدبرة، وبشرى لكل حر يرفض أن يستعبِد الناس لنفسه أو أن يكون عبداً لغير الله الذي خلقه ورزقه والذي بيده مَحياه ومماته. سبحان الله وتعالى عما يشركون.
نقول الله.. ويقولون يا علي يا فاطمة يا حسين.. “وإذا ذُكر اللهُ وحدَه اشمأزّت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذُكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون”.
اللهم إني أبرأ من كل شرك وضلالة، وأعوذ بك من أن أُشرك بك شيئا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه.
- من صفحته في فيس بوك.