منبر حر لكل اليمنيين

في السياسة.. لا يقاس الحضور بالضجيج

عمرو زاهر العارضة

عمرو زاهر العارضة::

في السياسة، لا يقاس الحضور بالضجيج، ولا تقاس الفاعلية بعدد التصريحات أو كثافة الظهور الإعلامي، فثمة رجال يختارون الصمت حين يكون الكلام استهلاكآ، ويؤجلون الحركة حين تكون الحركة قفزآ في المجهول ..
ومن هذا المنظور تحديدآ، يطرح إسم أحمد علي عبدالله صالح دائما مقرونآ بالسؤال ذاته: أين هو؟ ولماذا لا يتحرك؟
هذا السؤال، وإن بدا بريئآ في ظاهره، إلا أنه يكشف في جوهره عن فهم سطحي لطبيعة السياسة وتعقيداتها، خصوصآ في بلد كاليمن، حيث تختلط المشاريع الخارجية بالطموحات الداخلية، وحيث تدار الصراعات بعقول باردة لا بانفعالات ساخنة ..

أحمد علي، منذ أكثر من عقد، اختار مسار مختلف عن السائد، مسار يقوم على الصبر والحكمة، لا على ردات الفعل أو المزايدات ..

من يتعجل ظهوره، يتجاهل حقيقة أساسية: السياسة ليست سباق قصير، بل معركة نفس طويل .. وليست كل لحظة مناسبة للاندفاع، ولا كل ساحة صالحة للاشتباك، الرجل لم يختف، بل راقب، ولم يتخل، بل أعاد التموقع.
قرأ المشهد بتعقيداته، وفهم أن الدخول في معارك عبثية، أو التزاحم على واجهة مشهد مختل، لن يخدم الوطن، بل سيضيف اسمه إلى قائمة الاستنزاف ..
أحمد علي لم يقدم نفسه يومآ بوصفه طالب سلطة، ولم يركض خلف منصب، ولم يسمح بأن يكون وقودآ لصراعات تخدم أطرافآ أخرى أكثر مما تخدم اليمن ..
وهذا بحد ذاته موقف سياسي، قد لا يفهمه من اعتادوا منطق “الآن أو لا شيء”، لكنه مفهوم تمامآ لمن يدرك أن الأوطان لا تستعاد بالاندفاع، بل بالتراكم، ولا تبنى بالهتاف، بل بالحساب الدقيق ..

في زمن الانقسام، كان من السهل أن يختار الاصطفاف السريع، وأن يرفع شعارآ حادآ، وأن يدخل معركة شعبوية تكسب التصفيق وتخسر الجوهر، لكنه اختار أن يقف حيث يجب أن يقف من يفكر بوطن لا بلحظة، وبمستقبل لا بمكسب آني ..
اختار أن يحافظ على مسافة تجنبه الارتهان، وتمنحه القدرة على الفهم الأعمق لما يدار في الغرف المغلقة قبل المنصات المفتوحة ..

القضية، بالنسبة له، ليست استعادة دور شخصي، ولا إعادة إنتاج سلطة، بل استعادة وطن مختطف، تتقاطع فوق أرضه أطماع خارجية مع مصالح داخلية، وتتعدد فيه المشاريع على حساب الدولة، وطن يحتاج إلى عقل بارد لا إلى تهور، وإلى صبر استراتيجي لا إلى مغامرات خاسرة، وإلى رجل يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يتقدم ومتى ينتظر ..

إن من يقرأ سيرة الرجل خلال السنوات الماضية، يدرك أن الصبر لم يكن ضعف، بل خيار، وأن الصمت لم يكن غياب، بل إدارة للوقت والفرص ..

فبعض المعارك تكسب بعدم خوضها، وبعض المواقع تحفظ بعدم التنازل عنها في لحظة ارتباك. وفي السياسة، كما في الحرب، ليس كل من يتحرك ينتصر، وليس كل من ينتظر خاسرآ ..

لهذا، فإن السؤال الأصح ليس: أين أحمد علي؟ بل: متى تكون اللحظة التي يخدم فيها حضوره اليمن لا غيره؟ وعندها فقط، سيفهم كثيرون أن ما ظنوه تراجعآ، كان في حقيقته تمركزآ هادئآ لرجل يعرف أن الأوطان لا تنقذ بالضجيج، بل بالحكمة، ولا تستعاد بالعجلة، بل بالصبر الطويل ..

تعليقات