منبر حر لكل اليمنيين

من هم يهود اليمن في الأصل؟

محمد العلائي

محمد العلائي::

من هم يهود اليمن في الأصل؟
هل هم جماعة هاجرت بدينها قديماً إلى اليمن،
أم يمنيون اعتنقوا اليهودية في مراحل مختلفة من التاريخ؟
انقسم الباحثون طويلاً بين هذين الرأيين.
ومع أن علم الجينات ربما يميل اليوم إلى ترجيح الفرضية الثانية (يمنيين دخلوا اليهودية)، فإن السؤال ربما صيغ منذ البداية على نحو مضلل.
فالتاريخ كثيراً ما يكون أكثر تركيباً من ثنائية: إما هذا أو ذاك.
ربما كان يهود اليمن، في الواقع، حاصل مسارين متوازيين: جماعات عبرانية استقرت في اليمن، ويمنيون اعتنقوا اليهودية وانتسبوا مع الزمن إلى الأرومة الإسرائيلية، حتى غدت الملة رابطة نسب.
سأكتفي هنا بعرض آراء عباس محمود العقاد حول القضية، لأنني لست مهتماً بتلك النظريات التي تحاول المطابقة بين جغرافيا النص التوراتي وبين مناطق متفرقة من اليمن، [فاضل الربيعي وفرج الله ديب، وقبل ذلك كمال الصليبي].
يجادل العقاد، في كتاب “مطلع النور”، بأن اليهود هاجروا إلى اليمن بعد سقوط مملكتهم على يد نبوخذ نصر، مستبعداً اعتناق اليمنيين لليهودية.
وحجّته أن بني إسرائيل، في تاريخهم المتأخر، كانوا لا يدعون أحداً إلى دينهم؛ لإيثارهم أنفسهم بوعد إبراهيم الخليل، وحصر هذا الوعد في ذرية إسحاق بن يعقوب.
وهكذا، فاليهود، كما يقول، “وصلوا إلى اليمن مهاجرين متفرقين، وربما بدأت هذه الهجرة من أيام السبي البابلي لقرب بابل من طريق البحرين إلى اليمن، فإن لم تكن موغلة هذا الإيغال في القدم، فقد يكون مبدؤها عند تشتيت اليهود في أوائل القرن الثاني للميلاد، ثم استمرت نحو ثلاثمائة سنة إلى أواخر الدولة الحميرية”.
وينتهي إلى القول بأن “الدولة الحميرية على عهد ذي نواس لم تكن دولةً يهوديَّة يقبلها اليهود، ويدخلونها معهم في عداد شعب الله المختار، ولكنها كانت تُحالِف اليهود وتعمل على الاشتهار بمحالفتهم؛ لإقناع فارس بولائها في النزاع بينها وبين الحبشة والروم، واشتهرت من ثمة بالتهود لأنها أيدت اليهود وتنكرت للنصارى؛ حذرًا من معاونتهم -خفية أو جهرة- لشركائهم في العقيدة أبناء الحبشة”.
هذا قد يتفق مع كلام للجاحظ في رسالة الرد على النصارى، فهو يقول أن معظم اليهودية في يثرب وحمير وتيماء ووادي القرى قبل الإسلام، كانت “في ولد هارون دون العرب”،
أي أن معظمهم إسرائيليون نسباً.
لكن العقاد في كتاب “الثقافة العربية” يُرجع الأصل الأول لـ العبرانيين أنفسهم إلى جنوب الجزيرة العربية، أي إلى اليمن، حيث كانوا -قبل أربعين قرن تقريباً- عبارة عن قبيلة بدوية صغيرة، هاجرت في البداية إلى وادي النهرين، ومن جنوب الوادي انتقلت إلى شماله، وانحدرت -من ثَمَّ- إلى أرض كنعان.
يقول العقاد: “ويُستَدَل على تاريخ هذه القبيلة من تاريخ الدابة التي كانت تعتمد عليها في الرحلة وحمل الأثقال، وهي الحمار؛ فهذا الحيوان كان يوجد في حالة الوحشية على مقربة من السهول الرملية في جزيرة العرب، ويصل أحيانًا في قطعانه المجفلة من السباع إلى أرض حوران”.
وفي فصل آخر، يقول أن العبرانيين “كانت لهم لهجة من لهجات اللغة السامية الكبرى قريبة من سائر هذه اللهجات التي كان يجري الخطاب بها بين قبائل آرام وكنعان، ويسهل التفاهم بها في جملتها مع اختلاف يسير كاختلاف المتكلمين في القُطر الواحد بين إقليمٍ وإقليم.
ومن الواضح أنهم كانوا يبتعدون عن مصدرهم الأول في اللغة كلما ابتعدوا عن موطنهم القديم في الجنوب، فأصبحوا بعد هجرتهم الطويلة يتداولون من الأسماء والأعلام ما لا يفهمون معناه ولا وجوه تصريفه، وهو في لغة “سبأ” من جنوب الجزيرة مفهوم المعنى والمصدر الذي تصرف منه بلفظه واشتقاقه”.
وجهة نظر العقاد في الكتابين هي أن اليمن المصدر الأول للعرق (العبرانيين)، ثم أصبح اليمن فيما بعد “ملجأ” للديانة (اليهود).
نفهم من ذلك أن الهجرة الأولى بدأت من اليمن بوصفهم عِرقاً أو عشيرة سامية (أو ربما جماعة لغوية؟)، ثم حدث التحول في مواطن الشتات بين العراق والشام ومصر إلى جماعة دينية تُعرف بـ “اليهود”، أتباع موسى، مع مرور الزمن.
فهناك إذاً رحلة ذهاب إلى الشمال كـ “عبرانيين”، ثم رحلة إياب إلى اليمن كـ”يهود” بعد السبي البابلي.
العقاد لا يقول هذا صراحة، ولم يكلّف نفسه التوفيق بين القولين في الكتابين أو توضيح ما قد يبدو تناقضاً بينهما.
في المقابل، يتبنى الباحث الإسرائيلي روبن أهاروني نظرية “الأرومة المحضة”، زاعماً أن يهود اليمن هم سلالة القبائل العبرية المفقودة، ويشكك في روايات تهود القبائل الحميرية.
غير أن المستشرق يوسف شلحد، بعد أن يعرض آراء أهاروني، ينكرها ويتهم صاحبها بالعنصرية، ثم يستدل على خطأها بدراسة جينية لجامعة تل أبيب أثبتت أن: “جينات يهود اليمن لا تختلف في شيء عن جينات القبائل العربية المجاورة.. مما يعني أنهم من العرب المتهودة”، (شلحد، دراسات يمنية، العدد 28، مايو 1987م).
هل هناك قول فصل في هذه القضية؟
لا، أبداً.
فقط فرضيات وفرضيات مضادة.

تعليقات