السعودية تفكك وهم الانفصال: القضية الجنوبية تعود إلى حضن الحل اليمني الشامل
د. عادل الشجاع
ما شهدناه اليوم من رفع أعلام الانفصال وترديد نشيد غير نشيد الجمهورية اليمنية لم يكن خروجا عن النص بقدر ما كان جزءا من المشهد الذي أرادت السعودية أن يكتمل، فالسماح بظهور هذه الرموز في فضاء مفتوح، متعدد الأصوات، يكشف الحقيقة التي طالما جرى إخفاؤها: الجنوب ليس كتلة واحدة، ولا خيار الانفصال يحظى بإجماع جنوبي..
في هذا المؤتمر، سترتفع أعلام متعددة، وستسمع أصوات مختلفة، وأغلبها يميل إلى خيار الدولة الاتحادية ضمن يمن واحد، وهنا تحديدا يفقد دعاة الانفصال قدرتهم على المزايدة؛ فلا “شمالي” حاضر ليعلق عليه الفشل، ولا سلطة مركزية يمكن شيطنتها، ولا وصاية مفروضة يمكن الادعاء بمقاومتها، الجنوب يناقش الجنوب، والنتيجة ستكون كاشفة..
آخر مسمار في نعش الانفصال
بهذا النهج، يمكن القول إن السعودية، وبذكاء سياسي لافت، قد دقت آخر مسمار في نعش المشروع الانفصالي، فهي لن تغامر بإسقاط القرارات الدولية التي تؤكد وحدة اليمن، ولن تذهب إلى تثبيت مشروع الإمارات الذي يهدد أمنها الاستراتيجي وعمقها الجغرافي، كما أنها تدرك أن أي كيان انفصالي هش سيكون، مصدر فوضى دائمة، لا حليفا موثوقا..
لقد منحت السعودية دعاة الانفصال مساحة رمزية محدودة، أشبه بـ“كذّابة” وضعت في أفواههم ليتلهوا بها، بينما كانت تمضي بثبات نحو تثبيت الإطار الحقيقي للحل: جنوب متنوع داخل دولة يمنية اتحادية، لا جنوب محتكر ولا دولة مفصولة..
من الرعاية إلى الضمان
ما يميز الدور السعودي في هذا السياق أنه لا يكتفي برعاية شكلية أو استضافة بروتوكولية، المملكة تعلن بوضوح أنها معنية بدعم مخرجات المؤتمر، والعمل على تحويلها من توصيات نظرية إلى وقائع سياسية تطرح على طاولة الحوار الوطني اليمني الشامل، هذا الالتزام يعكس إدراكا سعوديا بأن أي حوار لا يترجم إلى مسار تنفيذي واضح، سيبقى مجرد محطة إعلامية بلا
أثر..
الأهم من ذلك أن الرياض تربط بشكل صارم بين مخرجات الحوار الجنوبي والحل السياسي الشامل، وترفض التعامل مع الجنوب كملف منفصل، فهي تنطلق من مسلمة أساسية: لا حل للقضية الجنوبية خارج إطار الحل السياسي الشامل للقضية اليمنية، ومن الغباء أن يتوهم البعض بأن السعودية ستذهب إلى حلول جزئية دون الحل النهائي مع الحوثيين..