منبر حر لكل اليمنيين

الانفصال والهروب علاقة وثيقة على مر الزمن

أسامة فؤاد محمد

أسامة فؤاد محمد::

تتجلى في ثنايا التاريخ اليمني المعاصر مفارقة عجيبة تثير التساؤل حول سيكولوجية التيارات الإنفصالية التي تظهر في المحافظات الجنوبية حيث نجد صبرا استثنائيا امتد لأكثر من قرن وربع تحت وطأة الاستعمار البريطاني الذي جثم على أنفاس الأرض والإنسان منذ عام ١٨٣٩ وحتى عام ١٩٦٧ دون أن نشهد حركات تمرد وجودية تطالب بالهوية المنفصلة بنفس الضجيج الذي نراه اليوم.

تلا ذلك حقبة الحكم الشمولي الماركسي الذي صهر الهوية في بوتقة الحزب الواحد وقمع الحريات وصادر الأملاك ومع ذلك ظل الصبر هو سيد الموقف حتى جاءت لحظة التنوير التاريخي في مايو ١٩٩٠ حين عاد الفرع للأصل وتحققت الوحدة اليمنية المباركة التي لم تكن مجرد دمج سياسي بل كانت عودة الروح للجسد الواحد وهنا تبرز الغرابة حيث تحولت نغمة المطالبة بالحقوق إلى دعوات صريحة للتمزق والشتات تحت مسمى قضية الجنوب رغم أن واقع الحال في ظل الوحدة كان يمنح هؤلاء شراكة سياسية واسعة ومناصب سيادية عليا لم يحلموا بها في عهود الارتهان للخارج أو القمع الداخلي بل إن مساحة حرية التعبير التي وفرتها الوحدة هي ذاتها المساحة التي استغلوها لبث سموم الفرقة والادعاء بالإقصاء والتهميش في قلب المشهد الذي كانوا هم صناعه وقادته.

اللافت في هذا المسار التاريخي هو تلك الظاهرة المتكررة المتمثلة في الهروب الدائم عند كل منعطف حقيقي حيث يختار دعاة الإنفصال مغادرة المشهد واللجوء إلى عواصم الخارج بمجرد أن تشتد الأزمات تاركين خلفهم شعاراتهم الرنانة وقواعدهم التي غرروا بها ليثبتوا أن ارتباطهم بالأرض ليس ارتباطا وجوديا بل هو ارتباط مصلحي آني يزول بزوال المنفعة أو اشتداد الضغط مما يجعل من دعواتهم مجرد صدى لمشاريع خارجية لا تخدم الإنسان اليمني في الجنوب بقدر ما تخدم أجندات تفتيت المنطقة وإضعاف كيان الدولة اليمنية الموحدة التي استوعبت الجميع ومنحتهم صوتا ومكانة وشراكة حقيقية لم تتجسد في أي حقبة سابقة من تاريخهم المليء بالصبر على الأجنبي والتمرد على الأهل والعشيرة في مشهد ينم عن تناقض فكري وأخلاقي يضع علامات استفهام كبرى حول صدق النوايا وجدية الطرح الذي يتلاشى دائما عند أول اختبار حقيقي للمواجهة أو البناء الوطني الصادق.

تعليقات