منبر حر لكل اليمنيين

من كابول إلى عدن: النهاية المخزية لكل مشروع عميل

د. عادل الشجاع

في كل مرة يعيد التاريخ نفسه، يفعل ذلك بلا مجاملة ولا شفقة، العملاء يراهنون على الخارج، والأوطان تراهن على بقائها، وفي نهاية الطريق، لا ينجو إلا رهان الأوطان..

مصير عيدروس الزبيدي، مهما طال أمده أو تبدلت أدواته، لن يخرج عن القاعدة الصارمة التي حكمت مصائر أمثاله عبر التاريخ، من سعد حداد في جنوب لبنان، إلى جيش فيتنام الجنوبية، إلى مشهد كابول الفاضح والأفغان يتعلقون على أجنحة الطائرات الأمريكية المغادرة، تتكرر القصة ذاتها: وكيل محلي يبيع وهم الحماية الدولية،ثم يترك عاريا عند أول انعطافة مصالح، فالخارج لا يعرف وفاء، بل يعرف استخداما مؤقتا، وعندما تنتهي الوظيفة يلقى بالأداة في أقرب مزبلة سياسية..

المشكلة في حالة عيدروس الزبيدي ليست فقط في المشروع الذي يحمله، بل في البنية النفسية التي تقف خلفه، نفسية الوكيل، أو العميل، تتشكل دائما من شعور عميق بالنقص، يتخفى خلف خطاب بطولي أجوف، ويبحث عن شرعية مستعارة من الخارج لأنه عاجز عن انتزاعها من الداخل، هو لا يثق بشعبه، ولا يؤمن بقدرته على الإقناع، فيستقوي بالأجنبي، ثم يقنع نفسه أن ذلك “دهاء سياسي”، بينما هو في الحقيقة انتحار أخلاقي مؤجل..

ما فعله المجلس الانتقالي، لم يكن دفاعا عن قضية، بل كان مقامرة بمصير الجنوب نفسه، جنوب مثخن بالجراح، أنهكته الحروب والتدخلات، كان أحوج ما يكون إلى مشروع إنقاذ وبناء، فإذا به يساق إلى صراعات داخلية، وحروب نفوذ، واستدعاء للأجنبي على حساب الإنسان الجنوبي البسيط. النتيجة؟ مزيد من الفقر، مزيد من الانقسام، ومزيد من الدم، بلا أفق ولا أمل..

التاريخ لا يرحم. كل الحركات العميلة التي راهنت على الخارج انتهت نهاية مخزية، لم يخلدها أحد إلا كعِبر سوداء، الأوطان وحدها هي التي تبقى، أما العملاء فيذهبون، لكن بعد أن يخلفوا خرابا عميقا يحتاج عقودا لترميمه، وهذه هي الجريمة الأكبر: ليس السقوط الشخصي، بل الثمن الذي يدفعه المجتمع بأكمله..

اليوم، نحن أمام مفترق طريق أخلاقي قبل أن يكون سياسيا، إما أن نعيد الاعتبار للوطن كقيمة جامعة، أعلى من المناطقية، وأشرف من العنصرية، وأبقى من أي كيان طارئ، أو نستمر في الدوران داخل دوامة القتل والكراهية التي لا تخدم إلا أعداء الجميع، لا جنوب بدون شمال، ولا شمال بدون جنوب، ولا وطن بدون إنسان يشعر أنه شريك لا غنيمة..

ما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من البنادق، بل مزيدا من العقول، ليس سباقا على النفوذ، بل سباقا على البناء والتنمية والتعليم والصحة،مستقبل أبنائنا لا يصنع في المتاريس، بل في المدارس والمصانع والمزارع، الحب بين أبناء الشعب الواحد ليس ترفا أخلاقيا، بل شرط بقاء..

واستعادة الدولة التي اختطفتها مليشيا الحوثي والانتقالي، سواء استعدناها سلما أو فرضتها الحرب، لا يمكن استعادتها في ظل مشاريع تقسيمية وعنصرية، لا مكان للمناطقيين بيننا، ولا مستقبل لمن يبني مجده على تمزيق وطنه، ليراجع الجميع علاقتهم بالوطن، قبل أن يحاسبهم التاريخ، فالتاريخ لا ينسى… ولا يغفر والدولة هي الضامن الحقيقي للاستقرار والسلام العادل..

تعليقات