مهندس/ حسين بن سعد العبيدي::
لقد آلت الأمور اليوم إلى وطن ممزق، ينزف دمًا وفرقه وجوعاً ، وطن دمرته الحرب، وهي تكاد أن تقسمه إلى دويلات وكنتونات صغيرة ، وتصنع في اليمن الكبير هويات طائفية ومناطقية على حساب الهوية الوطنية اليمنية العربية الواحدة، ومن المؤسف أن نقول إن كل المحاولات والتدخلات في الشأن اليمني عربياً ودولياً، قد أوصلت اليمن إلى أزمات وصراعات خطيرة لا تنبئ بخير، وتحولت كارثية من عدم التوافق والعمل الغير المؤسسي ،وسيطرة المشاريع الضيقة دون أن تكون منسجمة لتطلعات اليمنيين .
هذا لم يعد خافياً على أغلبية اليمنيين، حول ما وصلت إليه الأمور منذ احداث الربيع العربي في عام 2011 ،ومشروع إسقاط الدولة اليمنية ، وما جلب ذلك المشروع الغربي التآمري من انقسامات وتشظي بين اليمنيين اجتماعياً وسياسياً ،وما تلاها من حروب وضياع الدولة اليمنية ،وعدم استعادة الدولة لأكثر من 11 عاماً يمنياً وعربياً، و غدت الأمور أكثر وضوحًا اليوم، حتى أفضت كل الخيارات السياسية والعسكرية إلى طريق مسدود.
فشلت النخب السياسية اليمنية ومكون الشرعية طوال السنوات السابقة بمهامها وواجباتها الدستورية، سواء في استعادة اليمن، أو وقف التدخلات التي تمس بسيادة وامن اليمن ووحدته، وهذا جانب في غاية الأهمية والخطورة، في الظروف الراهنة التي يمر بها اليمن .
فالنخب السياسية المنضوية تحت خيمة الشرعية تنازلت كثيراً عن مبادئ وقيم الثورات اليمنية، وتنازلت أيضا عن دورها الريادي القيادي للمعركة الوطنية في الوصول باليمن وشعبة إلى رغد العيش والوحدة والاستقرار الأمني، والمعيشي والتعايش السلمي بين أبناءه .
ونحن في ظل واقعنا المعاش وظروف الحياة الصعبة مع شعبنا اليمني العظيم، ومن منطلق الصراحة والوضوح بحقائق الأمور وما يحاك لليمن من تامر، نقول لهذا الشعب والذي أصبح يعرف ويفهم من ان الخطاب السياسي والاعلامي لتلك النخب السياسية، لا يلتزم بالحقيقة، بل يحاول تزييف الوضع وخلق مبررات واهية ، حتى أفاق اليمنيون أمام وضع كارثي في بلادنا.
وهذا الوضع المتأزم والغير المستقر والمتفجر دائماً، كله من صنع اليمنيين وبأياديهم، ومن خلال تآمر الخارج الذي ترتهن إليه النخب والقوى اليمنية .
ولهذا ما زال اليمنيون يعانون ويلات الفقر والجوع والمرض، بل ويقترب الوضع إلى مجاعة حقيقية، مع توقعات بانهيار كلي للاقتصاد، وفوضى أمنية عارمة في كل ربوع اليمن، إلى جانب الفساد المستشري والمقنن، وبالرغم من هذه التعقيدات والأزمات مازالت المرتبات متوقفة بسبب سيطرة واستحواذ اطراف الصراع شمالاً وجنوباً، وفي الوسط على عائدات الوطن من الموارد والثروات، في مخالفة إنسانية واخلاقية اولاً، وفي مخالفة دستورية وقانونية ثانياً، يتحمل وزر كل هذه التجاوزات من اتخذ قرار توقيفها ويجب محاسبتهم لانهم اسهموا في تجويع اليمنيين.
ما تتعرض له الجمهورية اليمنية والوحدة الوطنية اليمنية، من خلال تدمير ممنهج لمبادئ الوحدة وتفتيت للنسيج المجتمعي والقبلي باعتبارها أعظم إنجازات اليمنيين في تاريخهم المعاصر، أمر غير مقبول.
حتى أن هذا التآمر أصبح واضحاً لا لبس فيه لكل متابع، ويحس به كل يمني وهو تأمر مقصود ومموَّل من الخارج ، فإذكاء مشاريع النزعة العنصرية السلالية والعودة باليمن للوراء ضمن التقسيمات الطائفية وتجزئة اليمن ; كلها مشاريع تهدف وتسهل من الاستيلاء على موقع اليمن الجيوسياسي، الذي وهبه الله لهذا الوطن والشعب العظيم ، بالإضافة لنهب ثرواته من خلال سياسات تفكيك المجتمع اليمني وتمزيق الوطن والجغرافيا.
لا زال وسيظل قرار اليمنين بأيديهم وبإرادتهم ، إذا كان هناك صدق في النوايا والعزيمة ، وهناك متسع من الوقت والجهد للإنقاذ ووقف الكارثة، واعادة الأمور إلى نصابها.
لذا فإن الصمت اليوم على الأوضاع الراهنة مشاركة في صناعة هذه الكارثة، التي اتضحت معالمها للجميع ، والتي صارت تهدد مستقبل الاجيال القادمة ،وتنذر بمزيد من الصراعات والحروب الداخلية والقبلية والقروية التي يصعب التنبؤ بنهاياتها.
وأمام ما يحدث اليوم في اليمن وبعد مرور 11 عام على الصراع والحرب، نستطيع أن نجزم ان ما يحدث على الارض يثبت بما لا يدع مجال للشك، أن جهود الأمم المتحدة، وبما فيهم الرباعية الدولية المختصة بالملف اليمني ، والراعية للسلام في اليمن قد فشلت ، وأن طريق السلام والاستقرار واستعادة السيادة الوطنية لن يتحقق، إلا بجهود وإرادة وطنية جامعة لكل أبناء اليمن الغيورين ، وأنه حان الوقت لبروز مهمة القوى الوطنية الحية الحرة من أبناء اليمن في ان ترفع من صوتها للداخل والخارج.
ومن هذا المنطلق ومما تمر به اليمن من تحديات ومخاض عسير، فإننا ندعو كل أبناء الوطن وكل القوى الشريفة والفاعلة من السياسيين والمثقفين والأكاديميين، إلى تشكيل مشروع وطني ينقذ الشعب ويحمي الوطن، ويستعيد الدولة مستمداً أهدافه ومبادئه من مبادي وقيم الثورة اليمنية.
مشروع وطني واضح ومستقل يرفض عودة المشاريع الصغيرة والاستعمارية ، ويحمي الوحدة ويضع مصالح الوطن العليا دون غيرها فوق كل اعتبار.
ان المشروع الوطني الجديد يجب أن يكون تجمعاً يمنياً عربياً، يحافظ على القومية اليمنية والعربية في جنوب شبه الجزيرة العربية في اليمن، ويكون هذا التحالف حاجزاً ومانعاً لكل من يتآمر ضد العرب واليمنيين، ويحاول اضعاف خاصرة الوطن العربي الجنوبية.
ويكون هذا الكيان اليمني نابعاً من الداخل اليمني ومن أرض اليمن، و يسعى إلى استعادة زمام المبادرة الوطنية، ووقف فوري للحرب اليمنية اليمنية، ووضع اسس وطنية لحوار وطني شامل لا يستثنى منه أحداً، برعاية وارادة يمنية حرة ودعم عربي.
يكون هدف هذا المكون الوطني استعادة الوطن سلماً أو حرياً، والوصول إلى سلام يمني عادل ودائم وشامل ، يستند إلى المرجعيات الوطنية المتفق عليه، ووفق قانون ودستور الجمهورية اليمنية، أو ما يجمع عليه اليمنيين، من أجل أمة يمنية واحدة وحضارة تأريخية خالدة.
هذا المشروع الوطني الجامع يجب أن يلتف حوله كل اليمنيين، والدعوة موجهة لكل الشعب اليمني وكل القيادات الوطنية الشريفة، والأحزاب والمكونات السياسية التي لم تشارك في أراقه الدم اليمني وتجويع الشعب، وسبب في الأزمة القائمة، ولكل قادة المجتمع المدني والنخب الثقافية والإعلامية، والمرأة والشباب، والقيادات القبلية، وهي في نفس الوقت دعوة لفرقاء الصراع، بأن يغلبوا المصلحة الوطنية والعودة إلى جادة الصواب وان الوطن للجميع، وان المرجعية للكل هو الاحتكام إلى ارادة الشعب والجماهير.
*رئيس مركز مداري للدراسات والأبحاث الإستراتيجية.
1 يناير 2026.