أ.د. عبد الوهاب العوج::
لم يعد النظر إلى الصراع الدائر في المنطقة العربية باعتباره حدثًا بعيدًا عن محيطنا في الامة العربية في المغرب العربي وأفريقيا على وجه الخصوص، أو مجرد مواجهة بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران واذرعها من جهة اخرى، بل لا يمكن تحييد آثارها بإعلان الحياد، فطبيعة الحروب في الشرق الأوسط اليوم لم تعد تقليدية، ولا تنحصر في جغرافيا محددة؛ بل تحولت إلى صراعات مركبة تعتمد على أدوات غير مباشرة من خلال استخدام الأذرع والوكلاء، والتي تنقل تداعياتها بسرعة شديدة إلى الدول المجاورة كاليمن و لبنان والعراق، بل حتى دول الخليج العربي وحتى لو لم تكن طرفًا مباشرًا او مشاركا في هذه الحرب، ومن هنا يتلاشى منطق “ليست حربنا” ليحل محله واقع جديد يفرض نفسه كتهديد إقليمي شامل.
تبدأ هذه التحولات حين تتجاوز الحرب حدودها الجغرافية لتلامس المصالح الحيوية للدول العربية، لا سيما في ما يتعلق بأمن الطاقة والملاحة البحرية. فاستهداف خطوط الإمداد، أو تهديد الممرات الاستراتيجية وفي مقدمتها مضيق هرمز، ومضيق باب المندب إذا ما توسعت رقعة الحرب وانخرطت الميليشيات الحوثية في تهديد الملاحة الدولية بالبحر الأحمر والذي ينقل الصراع من كونه نزاعًا بين أطراف محددة إلى أزمة تمس الأمن الاقتصادي والسياسي للمنطقة بأسرها، وترغم الدول العربية على دفع كلفة صراع لا تملك قرار إشعاله ولا إيقافه.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة التعويضات كحق قانوني مشروع للدول التي تضررت بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا أن هذا الحق يصطدم بواقع سياسي معقد. فالتعويضات لا تتحقق فعلًا إلا في ظل اختلال واضح في ميزان القوة، أو وجود إرادة دولية ضاغطة، مما يجعل هذا المسار أقرب إلى الطرح النظري منه إلى التطبيق العملي، خاصة مع تشابك الملف الإيراني مع توازنات دولية بالغة الحساسية.
على صعيد إدارة الدول العربية لهذا النوع من الصراعات، يتوزع السلوك العام بين الحياد الحذر، والانخراط غير المباشر عبر التحالفات، ومحاولات التهدئة، لكن هذه المقاربات تظل محكومة بردود الفعل أكثر مما هي نتاج رؤية استراتيجية عربية موحدة، وهو ما يفسر العجز المستمر عن التأثير في مسار الأحداث، رغم حجم التداعيات التي تتحملها هذه الدول.
هذا التباين في المواقف لا يمكن فصله عن طبيعة الانقسام العربي في تعريف التهديد، فبينما تنظر بعض الدول إلى إيران كمصدر تهديد وجودي اثبتته الايام والوقائع في العراق و سوريا و لبنان و اليمن، ترى دول أخرى إمكانية احتوائها ضمن توازنات إقليمية برغم ان هذه الحرب اثبتت فشل هذا النهج، وهذا يعكس غياب مشروع عربي موحد للأمن الإقليمي، ويؤدي إلى تشظي الموقف الجماعي وتحوله إلى مواقف قطرية متباينة، يحكمها منطق المصالح الخاصة بكل دولة.
ويزداد هذا التعقيد مع تداخل المصالح وضغوط التحالفات الدولية، حيث تجد الدول العربية نفسها مضطرة إلى موازنة علاقاتها مع القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الصين، روسيا) في مقابل صعود أدوار دولية منافسة، مما يحد من قدرتها على تبني مواقف مستقلة، ويجعل قراراتها جزءًا من شبكة توازنات أكبر منها.
و على مستوى التأثيرات، لا تقتصر تداعيات هذا الصراع على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد. فأي تصعيد في الممرات البحرية الحيوية ينعكس فورًا على أسعار النفط وحركة التجارة العالمية، مما يضع الدول العربية في قلب الأزمة حتى وإن لم تكن طرفًا في المعركة.
في الموازاة، يؤدي الإعلام دورًا مزدوجًا في تشكيل الوعي العام، منقسمًا بين خطاب يضخم الصراع ويقدمه كمعركة وجودية، وخطاب آخر يقلل من شأنه ويصوره كأزمة عابرة. وبين هذا وذاك يتشكل رأي عام متأثر بالاستقطابات السياسية، وغير قادر على إنتاج موقف موحد يضغط باتجاه سياسات عربية أكثر تماسكًا.
ولا يمكن إغفال خطر تحول بعض الدول العربية إلى ساحات لصراع بالوكالة، وهو خطر لم يعد افتراضيًا بل واقعًا ملموسًا في أكثر من ساحة، حيث تُستخدم هذه الدول كمسارح لتصفية الحسابات الإقليمية، مما يعمق حالة الهشاشة ويطيل أمد الصراع.
ورغم امتلاك الدول العربية أدوات قوة مهمة اهمها الموقع الجغرافي و الموارد النفطية والغازية و كذلك التأثير في أسواق المال و الطاقة.
إلا أن غياب التنسيق والاستراتيجية المشتركة يحول هذه الأدوات إلى إمكانات معطلة، ويحد من قدرتها على التأثير في معادلات الردع الإقليمي والدولي، وهذه المعادلات تبقى محكومة بصراع أطراف أخرى، بينما يجد العرب أنفسهم في موقع المتلقي لتداعياتها، والخاسر الأكبر من آثارها السلبية.
و في هذا الإطار، يبرز التساؤل حول غياب الدور العربي الفاعل في إدارة أمن الممرات البحرية الحيوية كمضيق هرمز وباب المندب. فهذه المسألة تخضع لتوازنات دولية معقدة تحد من قدرة الدول العربية على فرض رؤية مستقلة، وتكشف في الوقت نفسه الحاجة الملحة إلى بناء منظومة أمنية إقليمية عربية قادرة على حماية المصالح المشتركة.
حيث تتراوح السيناريوهات المحتملة لمآلات هذا الصراع بين استمرار حالة الاستنزاف منخفض الحدة، أو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع، أو الوصول إلى تسوية مشروطة تعيد توزيع النفوذ، وفي جميع هذه الحالات، ستظل الدول العربية متأثرة بشكل مباشر، ما لم تنتقل من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل وهذا يتطلب جهدا كبير لكنه ممكن.
وعليه، يظل تحويل هذا التهديد إلى فرصا ممكنًا، لكنه مشروط بإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي من منظور عربي جماعي، وتفعيل أدوات القوة المتاحة ضمن رؤية موحدة، وتقليل الاعتماد على الخارج في إدارة الأزمات، فالمشكلة في جوهرها لا تكمن في طبيعة الصراع بقدر ما تكمن في موقع العرب منه: بين هامش التأثر وحدود التأثير، وفي معادلة الأمن القومي العربي في زمن الشتات والتشرذم القُطري.
- أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز.