أسامة فؤاد محمد::
تتجلى الحقيقة اليوم في أبهر صورها وأكثرها قسوة حيث تنقشع سحب الأوهام لتكشف عن مشهد سياسي طالما حذرت منه تجارب التاريخ متمثلا في تخلي القوى الإقليمية الكبرى عن وكلائها عند أول مفترق طرق حقيقي يهدد وجودها وليس من قبيل المصادفة أو المفاجأة أن نرى طهران وهي تؤثر السلامة وتختار النفاذ بكيانها تاركة خلفها تلك الأذرع التي استثمرت فيها لعقود فالمراقب المتأمل يدرك يقينا أن هذه الكيانات لم تكن يوما سوى بيادق على رقعة شطرنج كبرى وظفت لخدمة مشروع تمددي عابر للحدود سواء في اليمن أو لبنان أو سوريا دون أن ترتقي في نظر مشغلها إلى رتبة الحليف المكافئ أو الشريك في المصير إن منطق البقاء هو المحرك الوحيد في هذه اللعبة السياسية المصبوغة بصبغة أيديولوجية زائفة فعندما وضعت الخيارات على طاولة الواقع المر وبين ثنائية الوجود أو الفناء انحازت القوة المركزية لمصالحها العليا وتركت أتباعها يواجهون قدرهم المحتوم منفردين تحت نيران المواجهة.
هذا السلوك ليس وليد اللحظة بل هو نهج متجذر يقتات على المتاجرة بالشعارات الدينية واستغلال العواطف الجياشة للبسطاء من أجل تمرير أجندات سياسية ضيقة مما يثبت بوضوح غياب العقيدة الحقيقية أو القضية العادلة خلف تلك التحركات فالهدف كان دائما التوسع والوسيلة كانت دوما دماء الآخرين وفي ظل هذا الانكشاف الاستراتيجي يبرز السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه على وعي الشعوب التي اكتوت بنيران هذه التبعية فهل استوعبت هذه المجتمعات أخيرا مدى رخص القيمة التي يمثلها هؤلاء الوكلاء في نظر أسيادهم وهل أدركت حجم العمالة التي رهنت بها مقدرات أوطانها لخدمة طموحات غريبة عنها إن اللحظة الراهنة تمثل اختبارا حقيقيا لإرادة الشعوب في الانتفاض على هذه التبعية المذلة واقتلاع جذور التغلغل الذي أفسد النسيج الوطني وتطهير بلادهم من آثار سنوات الضياع والارتهان في محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حطام الأوطان وإعادة بناء سيادتها على أسس من الكرامة والولاء للأرض لا للمشاريع الخارجية.