زكريات نمر::
ليس أخطر على المجتمع من مثقف بلا أثر، ولا أخطر على الثقافة من لقب يتداول بلا مضمون. فالمثقف، في معناه العميق، ليس كائنا معرفيا محايدا، بل فاعل تاريخي، ينشأ داخل شروط اجتماعية محددة، ويتحدد دوره بقدرته على مساءلة هذه الشروط، لا التكيف السلبي معها. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من هو المثقف؟ بل: ماذا يفعل المثقف؟ وما الذي يتغير بسببه؟. حين ننزع عن الثقافة بعدها الوظيفي، تتحول إلى ترف ذهني، وإلى زخرفة لغوية تستهلك داخل دوائر مغلقة. و تبدأ الخيانة الاولى خيانة الدور. فالمثقف الذي لا يؤثر، لا يزعزع، لا يطرح اسئلة مقلقة، ولا يخلق توترا معرفيا داخل مجتمعه، انما يفرغ الثقافة من جوهرها، ويحولها إلى مجرد شكل بلا مضمون.
المثقف الحقيقي ليس من يملك المعرفة، بل من يضع هذه المعرفة في حالة اشتباك مع الواقع. الاشتباك هنا ليس شعارا، بل عملية مستمرة من النقد، والمراجعة، والانخراط. اما المثقف الذي يكتفي بوصف العالم دون محاولة تغييره، فهو اقرب إلى المؤرخ البارد منه إلى الفاعل الثقافي. بل ان هذا الحياد الذي يتذرع به بعضهم ليس حيادا بريئا، بل موقفا منحازا بشكل غير معلن، لان الامتناع عن اتخاذ موقف في لحظات الصراع هو في ذاته موقف لصالح القائم. ومن اكثر مظاهر الانفصال خطورة، ان يتحول المثقف إلى مستهلك للنظريات المستوردة دون مساءلة سياقاتها. فيستعير مفاهيم من بيئات مختلفة، ويعيد انتاجها كما هي، دون ان يسائل مدى صلاحيتها لواقعه المحلي. هذا النمط من التثاقف الكسول لا ينتج معرفة حقيقية، بل يخلق طبقة لغوية كثيفة، تخفي خواء معرفيا وعجزا عن الابداع. فالمثقف الذي لا ينتج معرفة من داخل واقعه، بل يكتفي بنقلها، هو مجرد وسيط، لا صانع وعي.
ثم هناك المثقف الذي يختبئ خلف اللغة. يستخدم مصطلحات معقدة، وجملا طويلة، وبنية خطابية مغلقة، لا بهدف الدقة، بل بهدف الاقصاء. كأن المعرفة امتياز خاص، لا حق مشترك. هذا النمط من الخطاب لا يخدم المجتمع، بل يعمق الفجوة بين المثقف والناس. فبدل ان يكون وسيطا للفهم، يصبح حاجزا امامه. وهنا تتحول الثقافة إلى اداة تمايز طبقي، لا وسيلة تحرير. ولا يمكن اغفال دور الخوف. كثير من المثقفين يدركون الخلل، لكنهم يفضلون السلامة. يخافون من فقدان المكانة، او من الاصطدام بالسلطة، او من العزلة. فيختارون خطابا رماديا، مليئا بالتلميحات، خاليا من المواقف الواضحة. لكن هذا الخوف، مهما كانت مبرراته، لا يعفي المثقف من مسؤوليته. لان الثقافة التي لا تجرؤ، لا تغير.
الاخطر من الصمت، هو التواطؤ. حين يتحول المثقف إلى مبرر للسلطة، او مروج للخطاب السائد، او ناقد انتقائي يهاجم ما هو آمن ويتجاهل ما هو خطير، فانه لا يفقد فقط دوره، بل يشارك في اعادة انتاج الازمة. هذا النوع من المثقفين يملك ادوات النقد، لكنه يوجهها بعناية، بحيث لا تمس البنية الحقيقية للمشكلة. انه نقد بلا انياب، او كما يمكن تسميته: نقد وظيفي يخدم الاستقرار الزائف. هناك وهم واسع الانتشار: ان التأثير يقاس بالانتشار. في زمن المنصات الرقمية، اصبح عدد المتابعين، ومعدلات التفاعل، معيارا زائفا للقيمة. لكن التأثير الحقيقي لا يقاس بالكم، بل بالعمق. قد يكتب مثقف نصا يقرأه الآلاف دون ان يترك اثرا، وقد يكتب آخر نصا يقرأه عشرات، لكنه يغير طريقة تفكيرهم. الفرق هنا ليس في الوصول، بل في الاثر.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل المثقف وحده كل المسؤولية. فالمجتمع نفسه قد يكون غير مستعد لتلقي الخطاب النقدي. هناك بيئات تقاوم السؤال، وتخاف من الاختلاف، وتفضل اليقين السهل على القلق المعرفي. في مثل هذه الواقع، يصبح تأثير المثقف محدودا، لا بسبب عجزه، بل بسبب مقاومة البنية الاجتماعية. لكن حتى في هذه الحالة، يبقى دوره قائما: ان يفتح ثغرات، ان يزرع شكا، ان يؤجل اليقين. المثقف، اذن، ليس بطلا معزولا، ولا ضحية كاملة. هو جزء من شبكة معقدة من العلاقات، لكنه يظل مسؤولا عن موقعه داخلها. فاذا اختار الصمت، او التواطؤ، او الانعزال، فانه يساهم في تكريس ما يدعي نقده.
ثمة اشكالية اخرى تتعلق بفهم الاثر نفسه. فالبعض يتوقع من المثقف ان يحدث تغييرا مباشرا وسريعا، وهذا تصور مبسط. الاثر الثقافي غالبا ما يكون بطيئا، تراكميا، غير مرئي في لحظته. لكنه يعمل في العمق، يعيد تشكيل المفاهيم، ويعيد تعريف الممكن. لذلك، فان غياب الاثر لا يعني دائما غياب القيمة، لكن استمرار الغياب، مع غياب المحاولة، يكشف عن خلل حقيقي. كما يجب التمييز بين المثقف المنتج والمثقف المستهلك. الاول يخلق اسئلة، يبتكر مفاهيم، يعيد قراءة الواقع. الثاني يكرر، يعيد الصياغة، ويعيش على هامش ما ينتجه الآخرون. المشكلة ان الفضاء الثقافي احيانا يكافئ الثاني، لانه اقل ازعاجا، واكثر قابلية للاندماج.
يصبح من الضروري اعادة تعريف المثقف، لا بوصفه حامل معرفة، بل بوصفه منتج اثر. الاثر لا يعني الهيمنة، ولا فرض الرأي، بل القدرة على تحريك الوعي، وفتح افق جديد للتفكير. المثقف الذي لا يفعل ذلك، لا يمكنه الاحتماء خلف نصوصه، او خلف لغته، او خلف تاريخه. لا بد من طرح السؤال بوضوح: هل يمكن ان نمنح صفة المثقف لمن لا يغير شيئا؟ الجواب، اذا اردنا الصدق، هو لا. لان الثقافة ليست حالة سكون، بل فعل. ومن لا يمارس هذا الفعل، يبقى خارجها، مهما امتلك من ادواتها. المثقف ليس من يعرف اكثر، بل من يجعل المعرفة حدثا. ومن لا يحول معرفته إلى اثر، يظل مجرد ارشيف بشري… محفوظ، لكنه بلا حياة.