منبر حر لكل اليمنيين

ترامب وليلة القبض على إيران

صادق الحكيم

صادق الحكيم::

لم تعد المواجهة بين دونالد ترامب والنظام الإيراني مجرد فصل جديد في صراع طويل، بل تحولت إلى لحظة مفصلية تعيد تعريف قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. ما يجري اليوم أقرب إلى عملية سياسية–عسكرية مركبة، هدفها ليس تعديل سلوك طهران، بل إعادة صياغة موقعها بالكامل في النظام الدولي.
منذ عودته إلى السلطة، تبنّى ترامب نهجًا يقوم على مبدأ “الحسم بدل الاحتواء”، وهو تحوّل جذري مقارنة بالسياسات الأمريكية السابقة التي اعتمدت على إدارة التوازنات. هذه المقاربة الجديدة تنطلق من فرضية أن إيران لم تعد خصمًا يمكن احتواؤه، بل مشروعًا يجب تفكيكه أو إخضاعه.

في هذا السياق، لم تعد العقوبات الاقتصادية أداة ضغط تقليدية، بل أصبحت جزءًا من منظومة خنق شاملة تستهدف الاقتصاد، والعملة، وشبكات التمويل، بالتوازي مع تحركات عسكرية محسوبة. هذا التداخل بين الأدوات يعكس انتقال واشنطن من سياسة “الردع” إلى سياسة “الإنهاك الاستراتيجي”.
اللافت في هذه المرحلة هو أن الخطاب الأمريكي لم يعد يركّز فقط على البرنامج النووي، بل توسّع ليشمل بنية النظام الإيراني نفسه. الحديث عن الصواريخ، والوكلاء الإقليميين، والنفوذ السياسي، لم يعد منفصلًا عن فكرة أساسية: تقليص قدرة إيران على التأثير خارج حدودها، وربما داخلها أيضًا.

في المقابل، تجد طهران نفسها أمام معادلة معقدة. فهي تدرك أن التراجع الكامل يعني خسارة أدوات القوة التي بنتها على مدى عقود، لكنها في الوقت ذاته تواجه ضغطًا غير مسبوق يهدد استقرارها الداخلي. هذا التوازن الهش يجعل القرار الإيراني محكومًا بخيارين أحلاهما مرّ: إما التنازل التدريجي، أو الدخول في مواجهة مفتوحة لا تملك ضمانات نتائجها.

ما يمنح هذه اللحظة طابع “ليلة القبض” هو تزامن الضغوط في أكثر من اتجاه: اقتصادي، عسكري، وسياسي. لم يعد الهدف مجرد إجبار إيران على التفاوض، بل دفعها إلى نقطة تعجز فيها عن الاستمرار بنفس النموذج الحالي. إنها عملية استنزاف بطيء، لكنها موجهة بدقة نحو مراكز القوة الحقيقية.
إقليميًا، تحمل هذه التحولات انعكاسات عميقة. فإضعاف إيران لا يعني فقط تقليص نفوذها، بل إعادة توزيع موازين القوى في ملفات معقدة مثل اليمن، العراق، وسوريا. كما أن أي تغيير جذري داخل إيران سيخلق فراغًا قد تتحول معه المنطقة إلى ساحة تنافس جديدة بين قوى دولية وإقليمية.

أما دوليًا، فإن ما يحدث يعكس عودة واضحة لسياسة “فرض الإرادة” في العلاقات الدولية، بعد سنوات من الاعتماد على التفاهمات متعددة الأطراف. هذا التحول يعيد الاعتبار لمنطق القوة الصلبة، لكنه في الوقت ذاته يرفع منسوب المخاطر، خصوصًا في ظل وجود قوى كبرى تراقب المشهد وتستعد للتفاعل معه.
في المحصلة، “ليلة القبض على إيران” ليست حدثًا عابرًا، بل تعبير عن مرحلة جديدة تتجاوز حدود الصراع التقليدي. إنها لحظة اختبار لإرادة النظام الإيراني، ولقدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها، ولتماسك الإقليم أمام تحولات قد تعيد رسم خرائط النفوذ.
ويبقى السؤال الأهم:
هل نحن أمام نهاية مرحلة… أم بداية فوضى أكبر؟
لأن الإجابة لن تحدد مصير إيران فقط، بل شكل الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

 

تعليقات