صلاح الطاهري::
لطالما كانت تعز هي النص الذي يقرأه اليمنيون ليفهموا معنى الدولة، وهي النوتة التي تُعزف ليتعلم الناس رقة المدنية.
هي المدينة التي أطلقت عليها الأجيال لقب الحالمة، وصدرت إلى كل شبر في الوطن المعلمين والأدباء، المثقفين والساسة، والخبراء والسفراء.
فكيف لهذه الحاضرة الواعية أن تستيقظ من يوم لاخر على أنين الرصاص، وتنام على أخبار الاغتيالات التي يرتكبها منفلتون من لصوص الحياة لا يعرفون قدسية الحياة ولا وقار هذه المدينة.
إن ما يحدث في تعز ليس مجرد حوادث عارضة، بل هو عبث قاتل ينهش في كبريائها.
لقد تحولت الشوارع التي كانت تضج بطلبة الجامعات وحملة الأقلام، إلى مسرح يستعرض فيه المفصعون وارباب السوابق فوضى سلاحهم، ضاربين عرض الحائط بكل قيم التحضر والوعي التي قامت عليها هوية ابن تعز وكل جبل وتلة في هذه المحافظة الأبية.
إن اغتيال الزميل الصحفي عبدالصمد القاضي، ومن سبقه من قوافل الأبرياء، ليس مجرد حادثة جنائية عابرة، بل هو طعنة غائرة في الوعي التعزي وتهديد وجودي للهوية الثقافية التي لطالما كانت تعز حارسها الأمين.
فكيف تحول الحلم إلى وجع ممتد؟
وكيف سُمح للبنادق المنفلتة أن تعلو فوق صوت الوعي؟
وكيف أصبح السلاح الذي يجب أن يكون سياجاً لحماية الأحلام، خنجراً يغرز في خاصرة المدينة بيد بعض أبنائها أو الدخلاء على أخلاقها.
إن هذا العبث يضع الجميع أمام لحظة مكاشفة مريرة لا تقبل المواربة.
فتعز التي صمدت في وجه الحوثي والحصار وتهجين الهوية واختارت الانحياز للدولة والجمهورية لا تستحق أن تُترك رهينة للعصابات والمسلحين.
ومن وسط هذا الركام من الحزن والذهول، نوجه نداءنا، إلى مجلس القيادة الرئاسي، وقيادات الدفاع والأمن، وقيادات الأحزاب والقوي السياسية … إن صمتكم عن هذا الهلاك هو إقرار بموت المدنية، وتجاهلكم لانتشار السلاح المنفلت هو خذلان لتاريخ هذه المدينة وتضحيات أهلها.
لا معنى لأي سلطة أو ثبات سياسي إذا عجزت عن ضبط يد عابثة تزهق الأرواح في الشوارع والأسواق، ولا قيمة لأي خطاب وطني لا يترجم إلى هيبة أمنية تضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه ترويع الآمنين، أو تحويل تعز إلى غابة يغيب فيها القانون وتتسيد فيها الفوضى.
إن ما يراد لتعز اليوم هو أن تُذبح من الوريد إلى الوريد عبر إغراقها في وحل الصراعات الصغيرة والاغتيالات الغادرة، لتفقد ريادتها وتتحول من مدينة تصدر وعي بناء الدولة إلى مدينة يبتلعها ظلام الموت والدم والفوضي وهذا هو الوجع الحقيقي الذي يجب أن يستنهض ضمائركم قبل فوات الأوان.
إن التاريخ سيسجل بدم الأبرياء والضحايا أن مدينة الثقافة قد هُزمت في عهدكم بفعل رصاصة منفلتة وسلاح همجي مسعور لم يجد من يردعه.
وأن دماء الصحفي عبدالصمد القاضي وكل ضحية سقطت غدراً ستظل تطارد كل مسؤول تهاون في أداء أمانته.
ارفعوا أيدي العابثين عن تعز، وجردوا المفصعين من أسلحتهم، وأعيدوا للحالمة وجهها الذي يشبهها..
وجه الوعي والأمان والسلام، قبل أن يستحيل الحلم كابوساً لا يفيق منه أحد، وقبل أن تصبح تعز مجرد ذكرى لمدينة كانت ذات يوم عاصمة للوعي والجمال.