منبر حر لكل اليمنيين

مضيق هرمز بين الجغرافيا الصلبة ومعادلات الفتح الممكنة

أ.د.عبدالوهاب العوج

أ.د.عبدالوهاب العوج::

تكشف أزمة مضيق هرمز عن تحول عميق في طبيعة الصراع البحري، حيث لم يعد التحكم بالممرات الاستراتيجية قائمًا على التفوق العسكري التقليدي فقط، بل على القدرة على توظيف الجغرافيا ضمن نموذج حرب منخفضة الكلفة وعالية التأثير، وهو ما نجحت إيران في ترسيخه عبر تحويل المضيق من ممر للطاقة إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي على النظام الدولي.

الجغرافيا هنا ليست خلفية للصراع، بل هي مركزه، فالمضيق الذي لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات يتحول إلى نقطة اختناق عالمية تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، ما يجعل أي تهديدا محدودا و كافيًا لتعطيل الأسواق ورفع الأسعار وإرباك سلاسل الإمداد.
ان هذا الواقع يمنح الطرف الذي يتحكم بإيقاع التهديد قدرة تتجاوز بكثير قدراته العسكرية الفعلية.

ضمن هذه المعادلة، تلعب الجزر المحيطة بالمضيق دورًا حاسمًا في تشكيل بيئة السيطرة. جزيرة خرج تمثل القلب الاقتصادي لمنظومة التصدير الإيرانية، واستهدافها لا يهدف فقط إلى تقليص القدرة الإنتاجية، بل إلى ضرب مركز الثقل الاقتصادي المرتبط بإدارة الأزمة. إلى جانب ذلك، تشكل جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى الامارتية و المحتلة من قبل إيران نقاط ارتكاز متقدمة تتيح مراقبة الممرات الملاحية والتحكم بها ناريًا، حيث تتحول هذه الجزر إلى منصات مرنة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، بما يجعل السيطرة على المضيق عملية موزعة لا مركزية يصعب تحييدها بضربة واحدة، في المقابل، تبرز أهمية الموقع الجغرافي لـ سلطنة عمان، التي تمثل الضفة الجنوبية للمضيق، ليس فقط كعامل جغرافي موازن، بل كفاعل سياسي قادر على لعب دور الوسيط في لحظات التصعيد.

ان هذا الموقع يمنحها أهمية مزدوجة، فهي من جهة جزء من معادلة التحكم بالممر، ومن جهة أخرى قناة اتصال غير مباشرة بين الأطراف المتصارعة، ما يجعل أي سيناريو لفتح المضيق أو إعادة تنظيم الملاحة مرتبطًا بدورها بشكل أو بآخر.
أما دول الخليج العربي، فإنها تتحمل الكلفة الأكبر لهذه الأزمة، نظرًا لاعتماد صادراتها على هذا الممر الحيوي، حيث يؤدي تعطيل الملاحة إلى تراكم مئات الناقلات، وارتفاع تكاليف التأمين، واضطراب تدفقات النفط والغاز نحو الأسواق العالمية.
وعلى الرغم من وجود بدائل جزئية عبر خطوط الأنابيب، إلا أنها لا تعوض الطاقة الاستيعابية للمضيق، ما يجعل أي إغلاق المضيق مؤقتا كعامل ضغط مباشر على اقتصادات هذه الدول وعلى استقرار أسواق الطاقة الدولية.

الأضرار لا تتوقف عند حدود المنطقة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث يؤدي اضطراب الإمدادات إلى ارتفاع الأسعار، وزيادة تكاليف النقل، وتعطيل الصناعات المعتمدة على الطاقة، خاصة في آسيا رغم ان خط الانابيب السعودية الممتدة من شرق السعودية الى غربها في ميناء ينبع على البحر الأحمر قد خفف من اختناق وغلق مضيق هرمز بشكل جزئي حيث يبلغ قدرته التصديرية الى حوالي سبعة مليون برميل من النفط يوميا، ولكنه لا يعوض توقف إمدادات الغاز من قطر و ايران. كما أن تراكم السفن داخل الخليج يخلق أزمة لوجستية ممتدة، بحيث يستمر تأثير الإغلاق حتى بعد إعادة فتح المضيق، ما يحوّل الأزمة من حدث لحظي إلى أزمة زمنية ممتدة.

في هذا السياق، يبرز سيناريو عسكري حساس يتمثل في إمكانية قيام الولايات المتحدة بمحاولة السيطرة على جزيرة خرج، باعتبارها العقدة الاقتصادية الأهم في منظومة الطاقة الإيرانية. هذا السيناريو يقوم على تنفيذ عمليات برمائية دقيقة مدعومة بتفوق جوي وبحري، بهدف تعطيل صادرات النفط الإيرانية وحرمان طهران من أحد أهم أدواتها في إدارة الأزمة، مع استخدام الجزيرة كنقطة ضغط لإجبار إيران على التراجع عن إغلاق المضيق. غير أن هذا الخيار، رغم جاذبيته التكتيكية، يحمل مخاطر تصعيدية عالية، إذ قد يدفع إيران إلى توسيع نطاق المواجهة عبر استهداف أوسع للملاحة أو البنية التحتية النفطية في دول مجلس التعاون الخليجي و العراق، كما أن الاحتفاظ بالجزيرة يتطلب التزامًا عسكريًا طويل الأمد في بيئة معادية ومعقدة جغرافيًا.

وفي هذا الإطار، تبرز فرضية أساسية مفادها أن إيران لا تسعى إلى إغلاق كامل ودائم للمضيق، بل إلى إدارة مستوى التهديد بما يحقق أقصى قدر من المكاسب بأقل كلفة ممكنة، وهو ما يفسر اعتمادها على أدوات الحرب غير المتكافئة مثل الألغام البحرية والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، التي ترفع منسوب المخاطر دون الحاجة إلى مواجهة شاملة.

انطلاقًا من هذه الفرضية، تتشكل سيناريوهات فتح المضيق ضمن ثلاث مسارات رئيسية. المسار الأول يقوم على الفتح القسري المحدود، عبر عمليات عسكرية دقيقة تستهدف تأمين ممرات ملاحية محددة، من خلال إزالة الألغام، وتكثيف المراقبة الجوية، واستهداف منصات الإطلاق القريبة، دون التوسع في مواجهة شاملة و هذا المسار يحقق استعادة جزئية للملاحة، لكنه لا يلغي التهديد بشكل كامل.
المسار الثاني يتمثل في إعادة تنظيم الملاحة ضمن إطار دولي، حيث يتم تشكيل تحالف بحري–اقتصادي يهدف إلى تقاسم المخاطر، ليس فقط عبر الحماية العسكرية، بل أيضًا عبر خفض تكاليف التأمين وتحفيز الشركات على العودة.

هذا المسار أكثر استدامة، لكنه يتطلب توافقًا سياسيًا دوليًا معقدًا، خاصة في ظل تباين مصالح القوى الكبرى.
أما المسار الثالث، فيقوم على تسوية غير مباشرة، يتم من خلالها تخفيف التوتر عبر وساطات إقليمية، تلعب فيها سلطنة عمان دورًا محوريًا بالإضافة الى تركيا و مصر وبدعم من الصين و الهند المتضررتان الرئيسيتان من غلق مضيق هرمز بشكل اكبر من الاتحاد الأوروبي او اليابان و كوريا الجنوبية والذي يستدعي إشراك كل هذه الدول لفتح المضيق بطرق سلمية، مقابل تفاهمات ضمنية تسمح بمرور السفن بشروط معينة. هذا المسار هو الأقل كلفة، لكنه يظل هشًا وقابلًا للانهيار مع أي تصعيد جديد.

في جميع هذه السيناريوهات يتضح أن التحدي لا يكمن في “فتح المضيق” بحد ذاته، بل في كيفية إدارة المخاطر المرتبطة به، لأن البيئة الجغرافية تمنح إيران قدرة مستمرة على التعطيل، حتى في ظل التفوق العسكري لخصومها، وبالتالي، فإن أي استراتيجية فعالة يجب أن تنتقل من منطق إزالة التهديد إلى منطق تقليل أثره، وفرض معادلة تجعل استمرار الإغلاق أكثر كلفة من فتحه.

  • أكاديمي ومحلل سياسي يمني
    جامعة تعز
تعليقات