المؤثرون تحت الوصاية الحوثية: كيف تحوّلت منصات التواصل إلى أدوات لسلطة المليشيا
خبر للأنباء/
في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي الانقلابية، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحات للتفاعل الشخصي أو لمشاركة الأفكار، أو للحديث عن هموم وقضايا المجتمع، بل تحولت إلى ما يشبه قنوات التلفاز ومحطات الإذاعة، حيث يسيطر من يملك السلطة على الخطاب ويعيد تشكيله وفق مصالحه.
كثير من المؤثرين ورواد المنصات الرقمية الذين كان يُنظر إليهم في السابق كرموز للحرية الرقمية ونافذة للتعبير، أصبحوا اليوم قسراً جزءاً من آلية مليشيات الحوثي، ينقلون رسائلها ويعيدون إنتاج خطابها بصياغة رقمية حديثة.
هذا التحوّل يمثل نموذجاً صارخاً لاحتكار السردية ويمنة الخطاب، حيث لا مجال للمجتمع المدني أو المواطنين للتعبير عن آرائهم بحرية، ولا توجد مساحة للمعارضة أو النقد إلا في حدود ضيقة قد تؤدي إلى القمع أو العقاب والاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب.
المنصات الرقمية كامتداد لمشروع الانقلاب
ما يميز الوضع في مناطق سيطرة الحوثيين هو القدرة على استغلال المنصات الرقمية بطريقة تجعلها امتداداً مباشراً لسلطة المليشيا الفعلية وامتداداً لمشروعها الانقلابي السلالي.
منصات مثل فيسبوك، إكس، يوتيوب، وتيك توك لم تعد مجرد فضاءات عامة، بل أصبحت أدوات لإعادة إنتاج الرسائل الرسمية للحوثيين وتحويلها إلى محتوى رقمي يظهر بمظهر طبيعي وغير مصطنع.
السيطرة لا تقتصر على حذف المحتوى المخالف أو مراقبة الحسابات، بل تمتد إلى توجيه المشاهير والصحفيين والمثقفين والمؤثرين أنفسهم، وفرض خطوط حمراء على ما يمكن نشره وما يجب الامتناع عنه.
هؤلاء الذين يقاومون هذا التوجيه يواجهون مخاطر حقيقية تتراوح بين المضايقة والتهديد والابتزاز وصولاً إلى الاعتقال والتعذيب.
مؤثرون تحت المراقبة الحوثية
العديد من الشخصيات الرقمية التي كانت تُعرف بمصداقيتها ومهنيتها الإعلامية وجدت نفسها فجأة وقسراً أمام خيارين صعبين:
التماهي مع الخطاب الحوثي أو مواجهة العواقب.
هؤلاء المؤثرون، الذين يتمتعون بجمهور كبير من المتابعين، يُستدرجون طوعاً أو كرهاً للمشاركة في حملات دعائية مباشرة أو غير مباشرة تشمل تضخيم الإنجازات المزعومة لسلطة المليشيا، تبرير فسادها وفشلها وسياسات التجويع والإفقار والحرمان من الحقوق والحريات، أو تشويه صورة المعارضين، أو المشاركة في نشر رسائل إيديولوجية محددة.
ما يميز هذه العملية أنها غالباً ما تكون مصحوبة بضغط نفسي مستمر، يجعل الإعلامي أو الناشط عبر صفحته أو المؤثر نفسه يضع قيوداً على محتواه قبل أن تصل إليه أي إشارات أمنية حوثية.
تحولات في السردية الرقمية
قبل سيطرة الحوثيين على مناطق واسعة من اليمن، كانت منصات التواصل بمثابة مساحة كبيرة للتنوع، او مقارنة مع المؤثرين في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية حيث
يمكن فيها للمواطنين التعبير عن آرائهم، ومشاركة أخبارهم وتجاربهم، وحتى الانتقاد السلمي للسياسات المحلية.
اليوم، في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي أصبحت السردية الرقمية متجانسة بشكل صارخ، إذ تُحذف المنشورات غير المرغوبة بسرعة، ويُمنع تداول أي محتوى يعتبر معارضاً أو محرجاً وناقداً لسلطة الحوثيين.
المؤثرون أنفسهم يساهمون في إعادة إنتاج هذه السردية، سواء عن قصد أو تحت ضغط، مما يجعل الفضاء الرقمي يشبه التلفاز الرسمي للمليشيا من حيث الأحادية في الرؤية والرسالة.
التهديدات والتحييد
الخطورة في هذه المنظومة لا تكمن فقط في السيطرة على المحتوى، بل في خلق بيئة تفرض على الجميع الامتثال، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
من يرفض التعاون يُعتبر خارج دائرة الأمان، ويصبح هدفاً للتضييق والابتزاز.
المؤثرون والناشطون الذين يتبعون القواعد المفروضة يكتسبون حماية نسبية، لكنها غالباً مؤقتة ومقيدة. هذه البيئة تجعل كل محتوى رقمي مدروساً مسبقاً، وكل منشور تحت المراقبة، ما ادي إلى تراجع مساحة النقاش الحر واسس لثقافة الخوف الرقمي بين صناع المحتوى والجمهور على حد سواء.
الأمثلة الواقعية في مناطق سيطرة الحوثي
هناك حالات كثيرة ومتعددة توضح كيف يتم تحويل المؤثرين إلى أدوات إعلامية.
في إب وصنعاء وعدة محافظات أخرى تقع تحت سيطرة المليشيا، لاحظ المتابعون ظهور حملات رقمية كبيرة تقودها حسابات مؤثرة، تهدف إلى تضخيم المشاريع المزعومة للسلطة الحوثية الانقلابية أو الاحتفاء بالفعاليات السياسية والدينية التي تروج لها المليشيا.
هذه الحملات غالباً ما تكون متزامنة مع ما يتم ترويجه على القنوات التلفزيونية المحلية، للحوثيين في إشارة واضحة إلى التنسيق بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية.
تأثير هذا التحكم على المجتمع
تحويل المؤثرين إلى أدوات للحوثيين له آثار عميقة على المجتمع اليمني، إذ أدى ذلك إلى تآكل الثقة في المحتوى الرقمي.
الجمهور، الذي اعتاد على متابعة حسابات المؤثرين للحصول على معلومات مستقلة أو تحليلات موضوعية، يجد نفسه أمام مادة رقمية متجانسة تعيد إنتاج نفس الرسائل الحوثية دون مساحة للنقد أو السؤال.
هذا الوضع لا يؤثر فقط على الفضاء الرقمي، بل يمتد إلى الحياة الواقعية، حيث يصبح المواطنون مضطرين للتعامل مع معلومات متحيزة ويضعف وعيهم بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
الفضاء الرقمي كأداة للتطبيع
السلطة الحوثية لم تكتفي بالتحكم في السردية، بل سعت أيضاً إلى استخدام المنصات الرقمية لتطبيع حضورها وقيمها الإيديولوجية بين الشباب.
الحسابات المؤثرة تروج لمظاهر الولاء والانتماء، وتبرز الاحتفالات والأنشطة التي تنظمها المليشيا كأحداث عادية يجب المشاركة فيها أو التفاعل معها.
هذه العملية خلقت بيئة افتراضية تجعل العنف والضغط جزءاً من الحياة اليومية الرقمية، وزادت من صعوبة أي محاولات لمقاومة النفوذ الرقمي للمليشيا.
الرقابة الذاتية والإبداع المقيد
في ظل هذا الوضع، يمارس المؤثرون والناشطون في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي شكلاً من الرقابة الذاتية، حيث يقررون مسبقاً ما يمكن نشره وما يجب حذفه قبل أن تصل أي إشارة أمنية حوثية. الكتابة والتعبير عن الرأي والإبداع الرقمي، الذي كان يوماً عنصراً حيوياً في إثراء المحتوى على الإنترنت، أصبح محدوداً، محكوماً بخطوط حمراء غير معلنة ومتطلبات الالتزام بالسردية الرسمية لسلطة الانقلاب.
هذا الأمر أضعف تنوع المحتوى وجعل منصات التواصل أكثر تشابهاً مع الإعلام الحوثي التقليدي، بما أفقدها دورها في تعزيز النقاش الحر والتفاعل الاجتماعي.
مستقبل المؤثرين والناشطين في ظل السيطرة
مستقبل الناشطين والمؤثرين في مناطق الحوثيين يبدو محكوماً بالرقابة المستمرة والضغط النفسي المتواصل.
إلا أن هناك مؤشرات على وجود مقاومة صامتة، سواء من خلال نشر رسائل مشفرة أو استخدام محتوى ترفيهي لطرح أفكار أو نقد خفي.
هذا الشكل من المقاومة الرقمية يظل هشاً وخاضعاً للمخاطر، لكنه يعكس رغبة صامتة لدى المؤثرين والجمهور في الحفاظ على بعض مساحة الحرية الرقمية حتى في أصعب الظروف.
تحويل المؤثرين إلى أدوات
تحويل الناشطين والمؤثرين إلى أدوات للسلطة الحوثية يمثل نموذجاً صارخاً لتحويل الفضاء الرقمي إلى امتداد للمشروع الحوثي، حيث يختفي أي متسع للحرية الفردية أو التعبير المستقل.
المؤثرون، الذين يُنظر إليهم عادةً كقوة للتغيير والإبداع الرقمي، يجدون أنفسهم في مواجهة اختيارات صعبة بين التماهي مع سلطة الأمر الواقع أو مواجهة القمع.
هذا الواقع يعكس حجم التحدي أمام اليمنيين، ليس فقط في الفضاء الرقمي، بل في حياتهم اليومية، حيث يصبح الخوف والرقابة جزءاً من كل تفاعل اجتماعي وإعلامي.
ومع استمرار هذا الوضع، يظل السؤال المطروح على كل من يستخدم المنصات الرقمية في مناطق السيطرة الحوثية:
كيف يمكن للحرية أن تجد مكانها وسط قمع وإملاءات سلطة المليشيا القمعية، وهل يمكن للمؤثرين إعادة تعريف دورهم كحراس للوعي الجماهيري أم أن المنصات الرقمية ستظل مجرد أدوات لإعادة إنتاج الخطاب الحوثي السلالي؟