نايف حمود العزي::
مدخل:
في العادة، يُنظر إلى آثار الحروب الإقليمية من زاوية العمليات العسكرية أو اضطراب الممرات البحرية، لكن التأثير الأعمق يحدث غالبًا في مكان آخر: في إعادة تسعير المخاطر الاقتصادية. ففي لحظات التوتر الجيوسياسي، لا ترتفع الأسعار فقط، بل ترتفع أيضًا كلفة عدم اليقين التي تفرضها الأسواق على الاقتصادات الهشة.
بالنسبة لليمن، الذي يعاني أصلًا من اقتصاد حرب وانقسام مؤسسي عميق، تتحول هذه المخاطر إلى ما يشبه ضريبة غير مرئية تُضاف إلى تكلفة كل نشاط اقتصادي، من الاستيراد إلى الاستثمار وحتى إدارة المالية العامة.
من هنا يطرح هذا المقال سؤالًا مركزيًا:
كيف تتحول التوترات الإقليمية إلى كلفة اقتصادية غير مرئية في اليمن؟
وكيف تعيد هذه المخاطر تشكيل سلوك الأسواق، وقدرة الدولة على إدارة الصدمات، وبنية الاقتصاد نفسه؟
أولًا: علاوة المخاطر في الاقتصادات الهشة
في الاقتصاد العالمي، تُقاس المخاطر عادة عبر ما يُعرف بـ علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون أو الفاعلون الاقتصاديون مقابل العمل في بيئة غير مستقرة.
في حالة اليمن، لا تتجلى هذه العلاوة في أسواق المال كما في الدول الأخرى، بل تظهر في أشكال مختلفة:
•ارتفاع أسعار السلع قبل وصولها إلى الأسواق.
•زيادة تكاليف التمويل التجاري.
•تسعير احترازي من قبل التجار تحسبًا لاضطرابات مستقبلية.
بهذا المعنى، لا يدفع الاقتصاد اليمني ثمن الحرب فقط عبر التضخم أو انخفاض العملة، بل عبر توسع اقتصاد الاحتياط والوقاية الذي يرفع التكلفة العامة للنشاط الاقتصادي.
ثانيًا: كيف تعيد المخاطر تشكيل سلوك السوق
تشير الأدبيات القياسية إلى وجود علاقة واضحة بين ارتفاع المخاطر الجيوسياسية وزيادة معدلات التضخم وتقلبات الأسعار. فقد أظهرت دراسات مقارنة شملت 44 اقتصادًا عالميًا أن تصاعد عدم اليقين يدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى تبني سلوكيات وقائية مثل زيادة المخزون السلعي أو التحوط النقدي.
وتؤكد هذه النتائج أن عدم اليقين الجيوسياسي ليس مجرد مفهوم نظري، بل عامل اقتصادي فعلي يؤثر في ديناميات الأسواق، وإن كانت شدة تأثيره تختلف بين الدول والمراحل التاريخية.
وفي السياق اليمني، حيث تتقاطع الجغرافيا الحساسة مع انقسام المؤسسات وضعف السياسات النقدية، يمكن تفسير هذه العلاقة على أنها مؤشر لردود فعل الأسواق في بيئات هشة، دون الافتراض بأن هذه العوامل وحدها تسبب ارتفاع الأسعار. إذ يؤدي تصاعد التوتر الإقليمي إلى تغير سلوك الفاعلين الاقتصاديين عبر مسارات عملية:
* التجار: يرفعون مستويات المخزون السلعي بدلاً من تدوير رأس المال بسرعة، تحوطاً من انقطاع الإمدادات.
* المستوردون: يطلبون العملة الأجنبية بشكل مبكر ومكثف تحسباً لقفزات سعرية مفاجئة، مما يضغط على العملة المحلية.
* المستهلكون: يتجهون إلى “الشراء الوقائي” للسلع الأساسية، مما يخلق طلباً مصطنعاً يرفع الأسعار فعلياً.
هذه السلوكيات مجتمعة تخلق ما يمكن تسميته اقتصاد التوقعات القلقة؛ حيث تتحرك الأسواق بدافع المخاوف المستقبلية بقدر ما تتحرك استجابةً للوقائع الراهنة، فتتحول الاحتمالات إلى تكاليف اقتصادية حقيقية.
ثالثًا: الدولة الضعيفة وتضخم كلفة المخاطر
في الاقتصادات التي تمتلك مؤسسات قوية، يمكن للسياسات النقدية والمالية أن تخفف من أثر المخاطر. لكن في الحالة اليمنية، تعاني الدولة من انقسام مؤسسي ونقدي، ما يجعل قدرة المؤسسات على امتصاص الصدمات محدودة للغاية.
هذا يعني أن كل صدمة جيوسياسية لا تؤثر فقط على الأسعار، بل تتضخم آثارها عبر ضعف أدوات الاستجابة الاقتصادية.
والنتيجة أن المخاطر الخارجية لا تبقى مجرد صدمات عابرة، بل تتحول تدريجيًا إلى عامل بنيوي دائم يحدد مسار الاقتصاد. كما أن غياب مؤشرات اقتصادية دقيقة، مثل تقدير الاحتياجات النقدية الميدانية للموانئ أو التدفقات التجارية، يجعل إدارة البنك المركزي والسياسات المالية أقل قدرة على التخفيف من آثار هذه الصدمات،
رابعًا: اقتصاد الحرب وتطبيع عدم اليقين
مع مرور الوقت، تتكيف الاقتصادات مع الصدمات عبر ما يمكن تسميته تطبيع المخاطر. أي أن الفاعلين الاقتصاديين يبدأون في التعامل مع عدم الاستقرار باعتباره الحالة الطبيعية.
في اليمن، يظهر ذلك في انتشار اقتصاد البقاء، وتوسع السوق الموازية، واعتماد الفاعلين الاقتصاديين على شبكات غير رسمية لإدارة المخاطر. لكن هذا التكيف لا يعني الاستقرار؛ بل يعني أن الاقتصاد يعيد تنظيم نفسه حول مستويات أعلى من الهشاشة.
مع استمرار هذه الظاهرة، يتحول عدم اليقين إلى جزء من استراتيجية الفاعلين الاقتصاديين، حيث تركز القرارات على الحد الأدنى من الخسائر بدلاً من تعزيز الإنتاجية أو الاستثمارات طويلة الأجل.
خاتمة: تحويل المخاطر إلى معطى
الحروب الإقليمية لا تترك الاقتصاد اليمني بلا أثر، لكنها تؤثر بطرق تتجاوز الانكماش أو ارتفاع الأسعار لتعيد تشكيل آليات اتخاذ القرار الاقتصادي. ففي بيئة هشّة كاليمن، تصبح المخاطر جزءًا لا يتجزأ من معادلة النشاط الاقتصادي، حيث تتحول التوقعات إلى تكاليف فعلية ويعاد تسعير الفرص والخسائر يوميًا.
إن فهم هذه الديناميات يتيح استشراف المسارات التي يمكن للدولة والمجتمع الاقتصادي اتباعها لتخفيف آثار الصدمات. إن ذلك يتطلب تركيزًا مؤسسيًا على بناء مؤشرات رصد دقيقة، وتعزيز الشفافية في التجارة والسياسات المالية، وربط السياسات النقدية بالبيانات الميدانية، بحيث يتحول عدم اليقين من عامل مزعج إلى معطى يمكن التعامل معه بفاعلية.
بهذه الطريقة، يمكن تخفيض الكلفة الاقتصادية غير المرئية للتوترات الإقليمية، وتمكين الأسواق من الاستجابة بصورة أكثر مرونة، وتهيئة الدولة لتكون أكثر قدرة على إدارة الصدمات المستقبلية دون فقدان السيطرة على النشاط الاقتصادي.
* باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية.