صادق الحكيم::
كفّوا عن الاحتماء باسم صالح، فالكذب استُهلك حتى فقد مفعوله. كل خراب صنعتموه علّقتموه على رجل غائب لأنكم عاجزون عن مواجهة الحقيقة: أنكم فشلتم حين امتلكتم اللحظة. لم تكن ثورتكم مشروع دولة ولا رؤية وطن، بل تحالف نقائض لا يجمعها إلا الحقد. إصلاحي يتدثر بالديمقراطية ويضمر خلافة، حوثي يفرض ولاية بالقوة، اشتراكي بلا دولة، ناصري بلا أمة، وعنصريون بلا وطن. خليط مشوّه لا يمكن أن ينتج دولة، لأن الكراهية لا تبني نظامًا، والانتقام لا يصنع مؤسسات.
حوّلتم صالح إلى شيطان مطلق، وبعتم للناس وهمًا ساذجًا أن سقوطه سيحوّل اليمن إلى جنة. وحين فجّرتم المسجد لم تُسقطوا طاغية كما ادّعيتم، بل أسقطتم آخر حاجز أخلاقي لديكم. قُتل الأبرياء، أُصيب الرجل بإعاقات دائمة، ومع ذلك خرجتم تعلنون مقتله قبل أن يموت، ثم تسألون بوقاحة: لماذا تحالف؟ لماذا قاتل؟ لماذا دافع عن نفسه؟ أي إنسان، أي دولة، أي نظام في العالم كان سيفعل الشيء ذاته حين يُستهدف وجوده ويُطلب محوه. أردتم إلغاءه جسديًا وسياسيًا، ثم لبستم ثوب الضحية.
نعم، قُتل صالح في النهاية، تمزيق أسرته وتشريد أبنائه لم يكن كافيًا لكم، لكن اليمن لم ينهض. لم تُبنَ دولة، لم تُستعد مؤسسات، لم يظهر نموذج حكم قابل للحياة. لماذا؟ لأن المشكلة لم تكن يومًا في صالح، بل فيكم أنتم: فراغ إداري، عجز سياسي، غياب رؤية، ميليشيات وشعارات ووجوه تهرب من المسؤولية كلما طُلب منها الفعل.
ومن العبث أن يكتمل هذا المشهد دون التوقف عند ظاهرة الساحاتيين، أولئك الذين انتقلوا من الهتاف في الساحات إلى الادّعاء بأنهم يصنعون قرار المملكة العربية السعودية في اليمن. وهم في الحقيقة لم يصنعوا إلا الضجيج، ولم يؤثروا إلا في الخراب، ولم يفهموا يومًا طبيعة الدولة السعودية ولا كيف تُصاغ قراراتها الاستراتيجية. باعوا الوهم لأنفسهم ولغيرهم بأن الصراخ والضغط الإعلامي قادر على ابتزاز دولة مؤسسات، ثم صُدموا حين اكتشفوا أن الرياض تتعامل مع اليمن من زاوية أمنها القومي واستقرار الإقليم، لا من زاوية شعاراتهم ولا مزايدات منابرهم.
من منتدى المستقبل 2006، حيث جرى تسويق التفكيك باسم الإصلاح والديمقراطية، إلى منتدى الجزيرة الأخير حيث يُعاد تدوير السردية ذاتها وتلميع الفشل وتبرير الانهيار، كان المسار واحدًا: إسقاط الدولة أولًا ثم البحث عن شماعة. ما سُمّي بالربيع العربي لم يكن مشروع نهضة، بل نكبة سياسية جرى تصديرها من بلد إلى آخر، ومع كل إخفاق كانت تُعاد تعبئتها إعلاميًا كأنها مؤامرة خارجية أو إرث نظام سابق، بينما الحقيقة أنها وصفة جاهزة للفوضى، ومحاولة لجرّ الإقليم بأكمله إلى الدوامة نفسها، بما في ذلك الأوهام الساذجة بإمكانية تصدير الفوضى إلى المملكة تحت عناوين ناعمة وشعارات خادعة.
سقط صالح، وسقط معه الوهم الكبير، وبقي اليمن يدفع حتى اليوم ثمن غبائكم السياسي، وثمن اعتقادكم أن هدم الدولة أسهل من بنائها، وأن إسقاط الرموز يغني عن امتلاك الرؤية، وأن الصراخ أعلى من الإدارة. الرجل رحل، أما الفشل فما زال حيًا لأنكم أنتم صُنّاعه وحُماتُه.