من حكومة أزمة إلى حكومة قرار: خارطة طريق لاستعادة الوظائف الاقتصادية للدولة
نايف حمود العزي
نايف حمود العزي::
مدخل: المشكلة ليست في تشكيل الحكومة… بل في وظيفة الحكومة
في اقتصاد منهك كاليمن، لا تُقاس جدوى الحكومة بعدد وزرائها أو بتوازناتها السياسية، بل بوظيفتها الاقتصادية المباشرة:
هل تعمل كجهاز لإدارة الانهيار؟
أم كسلطة تسعى لاستعادة الحد الأدنى من وظائف الدولة؟
ينطلق هذا المقال من مقاربة سياساتية عملية، لا تناقش أسباب الفشل السابقة، ولا تبرر القيود القائمة، بل تجيب عن سؤال واحد:
ما الذي يجب على الحكومة فعله الآن لتصبح فاعلًا اقتصاديًا، لا مجرد واجهة سياسية؟
أولًا: تحديد الوظيفة قبل السياسات
الحكومة ليست مسؤولة عن النمو… بل عن وقف التدهور المنظّم، ففي سياق حرب واقتصاد مجزأ، يصبح الحديث عن النمو مضللًا. الهدف الواقعي للحكومة يجب أن يكون:
•وقف تآكل الدخل الحقيقي.
•كبح الجبايات غير الرسمية.
•إعادة ربط الإيراد بالخدمة العامة.
التوصية (1):
إعلان برنامج حكومي مُلزِم بعنوان:
برنامج استعادة الوظائف الاقتصادية الأساسية للدولة
(الإيراد – الأجر – السعر – الخدمة)
هذا التحديد ليس لغويًا، بل إطار مساءلة: كل وزارة تُقاس بقدرتها على استعادة وظيفة محددة، لا بإدارة أزمة مفتوحة.
ثانيًا: كسر حلقة «الإيراد بلا خدمة»
الإصلاح لا يبدأ بالإنفاق… بل بربط الجباية بالمقابل الاجتماعي
أخطر اختلال اقتصادي في اليمن ليس شح الموارد، بل انفصال الإيرادات عن المجتمع.
التوصية (2):
•حصر الإيرادات القابلة للسيطرة الحكومية (الجمارك، الضرائب غير المباشرة، رسوم الخدمات)
•تخصيص نسبة ثابتة ومعلنة منها لثلاثة بنود فقط:
1.رواتب التعليم
2.رواتب الصحة
3.دعم غذائي موجه
بهذا الإجراء، يتحول الإيراد من أداة سلطة إلى أداة استقرار اقتصادي واجتماعي.
ثالثًا: الرواتب كسياسة اقتصادية لا التزامًا أخلاقيًا
في اليمن، لم تعد الرواتب مجرد أجر، بل آلية لإعادة تدوير الطلب المحلي.
التوصية (3):
•فصل ملف الرواتب عن الصراع السياسي.
•اعتماد حد أدنى نقدي موحد للصرف المنتظم.
•تثبيت جدول زمني معلن، ولو بمبالغ جزئية.
اقتصاديًا، انتظام الراتب أهم من قيمته الاسمية؛ لأنه يعيد بناء التوقعات ويمنع تفكك السوق.
رابعًا: ضبط السوق قبل وهم ضبط العملة
التضخم جبائي… لكن المعالجة تتطلب تنسيقًا نقديًا
التضخم في اليمن ليس ظاهرة نقدية خالصة، بل تضخم جبائي ناتج عن تعدد الرسوم والجبايات وفوضى النقل.
ومع ذلك، فإن أي تدخل حكومي في الأسعار لن ينجح دون تنسيق وظيفي مع البنك المركزي، ولو في حدوده الدنيا، لضمان استقرار نسبي في سعر الصرف وتحييد الصدمات النقدية.
التوصية (4):
•توحيد الرسوم على السلع الأساسية داخل مناطق الحكومة
•إلغاء الجبايات المكررة بين المدن
•وضع سقف استرشادي لكلفة نقل الغذاء
•التنسيق مع البنك المركزي لضمان استقرار نقدي نسبي داعم لهذه الإجراءات
هذه سياسات إدارية منخفضة الكلفة، لكنها عالية الأثر على معيشة الناس.
خامسًا: من الوعود إلى الالتزامات
القرارات الصغيرة تحتاج إلى رقابة شعبية
في اقتصاد فقد الثقة، لا تُبنى المصداقية بالخطط الكبرى، بل بالقرارات المحدودة القابلة للقياس.
التوصية (5):
•إعلان 3 التزامات اقتصادية فقط خلال 6 أشهر.
•نشر تقارير إفصاح دورية حول التنفيذ.
•فتح هذه الالتزامات للرقابة الشعبية والإعلامية.
الشفافية هنا ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل أداة اقتصادية لإعادة الثقة والتوقع.
الخلاصة: الحكومة تُستعاد بوظيفتها لا بخطابها
الحكومة اليمنية لن تُحاسَب على قدرتها على إنهاء الحرب، ولا على تحقيق نمو سريع، بل على قدرتها على وقف إعادة إنتاج الانهيار الاقتصادي. إذا لم تنتقل من إدارة أزمة إلى استعادة وظائف، فستبقى مجرد مرحلة سياسية عابرة داخل اقتصاد لا ينتظر أحدًا. فالدولة لا تعود بتشكيل سياسي، بل حين تدفع راتبًا، وتخفض سعرًا، وتربط إيرادًا بخدمة.
* باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية.