أسامة فؤاد محمد::
تأتي الأنباء الواردة حول اغتيال سيف الإسلام القذافي كصاعقة مدوية فجرت ما تبقى من آمال في استقرار هش وزلزلت أركان المشهد السياسي الليبي لتدفع بالمنطقة نحو نفق مظلم لا تعرف نهايته، حيث يمثل هذا الحدث الجلل ذروة التآمر على أي محاولة لترميم الدولة واستعادة النظام الذي يرى فيه الكثيرون ملاذا من فوضى الميليشيات العارمة.
إن هذه الجريمة السياسية لم تكن وليدة الصدفة بل هي نتاج تخطيط دقيق من قوى لا ترى في ليبيا إلا حقل تجارب ومصدرا للثروات المنهوبة حيث كان بقاء سيف الإسلام يشكل تهديدا وجوديا لمصالح شبكات الفساد ودول الميليشيات التي تعتاش على غياب القانون وتفتت السلطة المركزية فالجهات التي تقف وراء هذا الاغتيال هي ذاتها التي تصر على بقاء المنطقة في دوامة صراعات لامتناهية، لضمان استمرار تدفق مصالحها التي تتغذى على دماء الأبرياء وتشرذم الأوطان.
إن تغييب هذا الرقم الصعب في المعادلة الليبية يهدف بالأساس إلى قطع الطريق أمام أي مشروع وطني يلتف حوله المؤيدون للنظام السابق ويطمح لإعادة هيبة الدولة وسحق نفوذ العصابات المسلحة التي باتت تتحكم في مصير الشعب وتنهب مقدراته جهارا نهارا أمام مرأى ومسمع من العالم المتواطئ الذي يدعي البحث عن حلول بينما يغذي في الخفاء أسباب الفرقة والنزاع.
ولعل التداعيات المرتقبة لهذا الاغتيال ستتجاوز الحدود الليبية لتشعل فتيل أزمات إقليمية جديدة إذ أن القوى التي هندست هذه العملية تراهن على أن الفراغ السياسي والأمني الذي سيخلفه غيابه سيؤدي إلى مزيد من الانقسامات والحروب الأهلية التي تبرر لها استمرار التدخل والوصاية والسيطرة المطلقة على منابع النفط والغاز.
وهكذا يتضح أن اليد التي تعرقل أي استقرار هي يد دولية وإقليمية تتقاطع مصالحها مع بقاء ليبيا دولة فاشلة محكومة بمنطق الغاب والميليشيات لأن عودة النظام القوي والمتماسك تعني بالضرورة نهاية حقبة الاستغلال والتبعية التي فرضت على البلاد منذ سنوات طويلة ليبقى السؤال المرير يدور حول قدرة الليبيين على استيعاب هذه الصدمة وتجاوز مخططات التفتيت التي تستهدف وجودهم كأمة موحدة وتدفع بهم نحو مزيد من الضياع في دهاليز الأجندات الخارجية التي لا ترحم ولا تقيم وزنا لسيادة الأوطان أو كرامة الشعوب المنكوبة.