القاهرة.. كتاب جديد للدكتور طه الهمداني “المجتمع المدني وحقوق الانسان في اليمن”
يمن المستقبل/ خاص
عن مكتبة خالد بن الوليد أصدر الباحث الدكتور طه حسين الهمداني كتابت جديد تضمن عنوان (المجتمع المدني وحقوق الانسان في اليمن)، الكتاب متواجد في معرض كتاب القاهرة الدولي صالة 3 جناح C 91.

وقد جاءت مقدمة الكتاب للباحث على النحو التالي.
جاء إصدار هذا الكتاب تتويجًا لمسارٍ بحثيٍّ وفكريٍّ ممتد، انطلق من محاولة فهم واستيعاب التحولات الكبرى التي رافقت نشأة الدولة اليمنية الحديثة عقب تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م، وما انطوت عليه تلك المرحلة من آمالٍ عريضة في فتح الفضاء العمومي أمام نهج التعددية السياسية، وتعزيز دور المجتمع المدني، وترسيخ مبادئ سيادة القانون، واحترام الحقوق والحريات العامة.
ومع تعاقب السنوات، لم تتراجع هذه الأسئلة أو تفقد راهنيتها، بل ازدادت عمقًا وتعقيدًا، في ظل تتابع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي أسهمت في إعادة تشكيل بنية الدولة والمجتمع، وأعادت طرح إشكاليات التحول الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة في اليمن.
يُعد هذا الكتاب في الأصل رسالةً علمية قُدِّمت لنيل درجة الماجستير، وقد آثرت نشرها كما هي، دون إدخال تعديلات جوهرية على مضمونها العلمي، باستثناء حذف الإطار المنهجي. إذ ينحصر النطاق الزمني للبحث، في الفترة الممتدة بين عامي 1990–2010م. ويقدّم الكتاب قراءة تحليلية معمّقة لدور منظمات المجتمع المدني اليمنية في مجال حقوق الإنسان بعد مرور عقدين على قيام الجمهورية اليمنية، وهي مرحلة شهدت توسعًا كبيرا في عدد المنظمات، وتنوعًا في مجالات عملها ومسارات تدخلها.
ويركّز الكتاب على تحليل أدوار منظمات المجتمع المدني في مجالات التوعية الحقوقية، والمناصرة، والمراقبة، وتقديم الخدمات، مع اهتمام خاص بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقوق الفئات الضعيفة. وقد جرى في هذه الدراسة تصنيف منظمات المجتمع المدني وفق مجالات عملها إلى: منظمات حقوقية، ومهنية، وثقافية وعلمية، واجتماعية وخيرية، وتعاونية وتنموية، إلى جانب الإشارة إلى توصيفات وظيفية أخرى مرتبطة بطبيعة الأنشطة التي تضطلع بها تلك المنظمات.
وقد سعت الدراسة لتحقيق عدد من الأهداف أبرزها التعرف على طبيعة الظروف التى أدت إلى نشوء مؤسسات المجتمع المدني المعنية بحقوق الانسان والعوامل الداخلية والخارجية المؤثرة في دورها ، واهم المنظمات والهيئات العربية والدولية والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية اليمنية وآثارها على دور المنظمات المحلية ، وانواع مؤسسات المجتمع المدني اليمنية ، ومجالات عملها وطبيعة الأدوار الحقوقية لها.
يتكون الكتاب من بابين رئيسيين؛ يتناول الباب الأول التطور الفكري والتاريخي لمفهومي المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ويشتمل على فصلين: خُصِّص الأول للتطور الفكري لهذين المفهومين، بينما يعالج الفصل الثاني التطور التاريخي لمؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان في اليمن. أما الباب الثاني، فقد ركّز على دور منظمات المجتمع المدني اليمنية في مجال حقوق الإنسان، وانقسم بدوره إلى فصلين؛ تناول الأول طبيعة هذه المنظمات وعلاقتها بحقوق الإنسان، فيما بحث الثاني في العوامل المؤثرة في فاعلية أدوارها، مع تقسيم كل فصل إلى مباحث ومطالب تحليلية، وفق خطة بحثية منهجية، وصولًا إلى الخاتمة التي تضمنت أبرز النتائج والتوصيات والمقترحات العملية.
وقد شكّلت هذه الدراسة محاولةً منهجية لفهم طبيعة الدور الذي لعبته منظمات المجتمع المدني اليمنية في تعزيز حقوق الإنسان، وقياس مستوى فاعليتها، وتحليل العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في تشكيل هذه الأدوار، الأمر الذي يجعل من هذا الكتاب مرجعًا مهمًا لرصد مسار المجتمع المدني اليمني في مرحلتي التأسيس والنمو.
وتوصّلت الدراسة إلى إبراز تنامي أدوار منظمات المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما الدور الرقابي، والدور التوعوي، والدور الدفاعي، والدور البحثي، إضافة إلى دور المساعدة والمناصرة. كما ناقشت أهمية هذه الأدوار على الصعيد الداخلي، ورصدت حدود فاعليتها على الصعيد الخارجي، وتناولت في الوقت ذاته العوامل التي حدّت من فاعلية تلك المنظمات، سواء العوامل الداخلية المرتبطة بالبنية المؤسسية والقدرات التنظيمية، أو العوامل المتصلة بطبيعة العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني، أو بعلاقتها بالمجتمع والمؤسسات المختلفة، فضلًا عن العوامل الخارجية المرتبطة بالسياقين الإقليمي والدولي.
وخلصت الدراسة إلى جملة من الاستنتاجات، من أبرزها أن نشوء ونمو منظمات المجتمع المدني في العديد من الدول النامية، ومنها الجمهورية اليمنية، جاء استجابةً لجملة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الداخلية منها والخارجية. كما بيّنت أن حداثة تجربة المجتمع المدني في اليمن ارتبطت بحداثة التجربة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكلاهما جاء نتاجًا لمسار التحول والحداثة الذي بدأ تبلور بعد قيام دولة الوحدة، خلال العقود الأخيرة. وتناولت الدراسة كذلك العلاقة التفاعلية والمتبادلة بين منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ومظاهر هذه العلاقة وتجلياتها المختلفة.
وتكمن الأهمية الخاصة لهذه الدراسة في أنها لا تكتفي برصد التوسع الكمي لمنظمات المجتمع المدني اليمنية، بل تسعى إلى تحليل أدوارها النوعية وحدود فاعليتها في سياق سياسي واجتماعي معقّد، شهد تداخلًا بين مسارات التحول الديمقراطي واختلالات بناء الدولة. كما تحاول تقديم قراءة متوازنة تجمع بين الوصف التحليلي والنقد الموضوعي، من خلال تتبع العلاقة المركبة بين منظمات المجتمع المدني والسلطة والمجتمع والبيئة الإقليمية والدولية، بما يتيح فهمًا أعمق لطبيعة التجربة اليمنية في سياق الدول النامية.
ورغم أن البحث يغطي الفترة الممتدة حتى عام 2010م، فقد رأيت من المهم الإشارة في هذه المقدمة إلى لمحة موجزة عن دور منظمات المجتمع المدني بعد عام 2011م، لإعطاء القارئ صورة شبه متكاملة لمسار المجتمع المدني اليمني. فقد شكّلت هذه المرحلة منعطفًا مفصليًا اتسم بتحولات سياسية واجتماعية عميقة، بدءًا بمرحلة الانتقال السياسي عقب الاحتجاجات الشبابية، مرورًا بمؤتمر الحوار الوطني الشامل، وصولًا إلى الانقلاب على السلطة الشرعية عام 2014م، واندلاع الحرب، وما ترتب على ذلك من تغيّر جذري في طبيعة أدوار المنظمات ومساحات حركتها.
ومع تعذّر إجراء بحث ميداني مستقل في ظل الظروف الأمنية المعقّدة، وانهيار مؤسسات الدولة، وغياب مناخ عمل حر ومحايد، تم الاعتماد على الملاحظة والمتابعة، والتواصل مع بعض القيادات المجتمعية، إضافة إلى تقارير المنظمات المحلية والدولية، كمصادر مساندة لاستخلاص المؤشرات العامة وتحليل الاتجاهات الرئيسية.
وتشير هذه اللمحة إلى أن منظمات المجتمع المدني اليمنية، وعلى الرغم من القيود والمخاطر، والانقسام السياسي، والاستقطابات الداخلية والخارجية، واصلت القيام بأدوار محورية شملت رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها القتل خارج إطار القانون، والاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، وتجنيد الأطفال، والانتهاكات التي تطال النساء والنازحين. كما قدّمت الدعم القانوني والنفسي للضحايا، وأسهمت في تدريب الكوادر المحلية على مبادئ العدالة الانتقالية، وتعزيز مشاركة المرأة والشباب في عمليات صنع القرار، ونشر ثقافة السلام وحقوق الإنسان.
ورغم هذه الجهود، واجهت منظمات المجتمع المدني تحديات جسيمة، من بينها انعدام الأمن، والقيود التي فرضتها أطراف النزاع، وضعف التمويل، وصعوبة الوصول إلى مناطق الصراع، والانقسامات السياسية، وغياب الحماية القانونية للمدافعين عن حقوق الإنسان. ولا تغني هذه الإشارة عن الحاجة إلى دراسة ميدانية شاملة لهذه المرحلة، لكنها تسهم في إيضاح ملامح التحولات التي واجهها المجتمع المدني، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء دولة ومجتمع قائمين على مبادئ حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية.
وفي الختام، أتقدم بجزيل الشكر لمعالي الدكتور أبو بكر عبد الله القربي، وزير الخارجية الأسبق والأمين العام المساعد للمؤتمر الشعبي العام، وللأستاذ الدكتور حسن محمد الظاهر، أستاذ العلوم السياسية في عدد من الجامعات ومراكز الأبحاث المصرية والعربية، لما تفضلا به من قراءتين علميتين رصينتين أغنتا هذا العمل ومنحتاه بعدًا أكاديميًا موثوقًا. كما أتوجه بخالص الشكر والامتنان لكل من أسهم في توفير الدعم المعرفي، ولكل الجهود التي ساعدت على إخراج هذا الكتاب في صورته الحالية.
المؤلف
د. طه حسين الهمداني